بقلم رئيس التحرير : عبد المطلب الاعسم
في زمنٍ تتداخل فيه الأزمات، لم يعد الحديث عن واقعنا المحلي في رهط أو النقب ممكنًا بمعزل عن ما يجري حولنا من أحداث متسارعة وخطيرة، تُشكل سياقًا عامًا يضغط على حياة الناس ويزيد من تعقيد معاناتهم اليومية.
فبين الجريمة والعنف الذي يستفحل في مجتمعنا، وبين واقع سياسي وأمني مشتعل، نجد أنفسنا أمام صورة كاملة لا يمكن تجزئتها. ما يحدث في رهط اليوم ليس حالة معزولة، بل جزء من أزمة أعمق، تتقاطع فيها عوامل الإهمال، والتهميش، وغياب الحلول الجذرية.
وفي هذه الأيام، تحل علينا ذكرى يوم الأرض، 30.3.2026، في وقتٍ تتجدد فيه معاني الصمود، لا كشعار، بل كحاجة يومية للبقاء. فالأرض التي تمسك بها أهلنا منذ عقود، ما زالت اليوم ساحة للصراع على الحقوق والخدمات والاعتراف، خاصة في القرى التي تعاني من نقص البنية التحتية والتخطيط، وسط سياسات حكومية لا تخفف المعاناة بقدر ما تُضاعفها.
وعلى المستوى السياسي، لم يعد الحديث عن قوانين مثل “قانون الإعدام” مجرد نقاش نظري، بل أصبح واقعًا تشريعيًا، حيث أُقرت في الكنيست قوانين تسمح بفرض عقوبات قصوى في قضايا أمنية، في خطوة تعكس توجهًا متشددًا بدل البحث عن حلول عميقة وشاملة .
لكن الأخطر من ذلك، هو السياق الإقليمي والدولي الذي يزداد اشتعالًا. فالحرب بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، لم تعد مجرد تهديد، بل تحولت إلى مواجهة فعلية شملت ضربات متبادلة وصواريخ طالت مناطق مختلفة، وأدت إلى إصابات وأضرار داخل إسرائيل نفسها .
وقد شهدت الأيام الأخيرة تصعيدًا كبيرًا، مع إطلاق إيران دفعات صاروخية مكثفة واستهداف مواقع متعددة، في مقابل غارات أمريكية وإسرائيلية واسعة داخل إيران، ما يفتح الباب أمام حرب طويلة ذات تبعات خطيرة على المنطقة بأسرها .
هذه الحرب لا تبقى في نشرات الأخبار فقط، بل تصل شظاياها إلى بيوت الناس في النقب، حيث سُجلت إصابات حتى داخل تجمعات بدوية نتيجة سقوط شظايا صواريخ، ما يعكس هشاشة الواقع الذي يعيشه المواطن البسيط .
وفي ظل كل ذلك، يبرز مشهد آخر لا يقل إيلامًا: مشهد بعض أعضاء الكنيست الذين حوّلوا المنصة السياسية إلى مسرح للخطابة والاستعراض. كلمات كبيرة، ووعود فارغة، واستعراضات إعلامية، بينما الواقع على الأرض يزداد سوءًا. شخصيات استهلكها الزمن، ما زالت تتصدر المشهد، مدفوعة بحب الذات ووهم التأثير، في وقتٍ يحتاج فيه المجتمع إلى قيادات حقيقية تحمل هموم الناس، لا أن تتاجر بها.
ورغم هذا المشهد المركب—جريمة داخلية، وضغط سياسي، وحرب إقليمية، وتقصير قيادي—يبقى أهل القرى عنوانًا للصمود. يتمسكون بأرضهم، ويحافظون على وجودهم، ويرفضون الانكسار، رغم كل ما يُفرض عليهم من تحديات.
ومن هنا، فإن موقفنا واضح: لا يمكن مواجهة هذا الواقع باليأس. الأمل ليس خيارًا ثانويًا، بل هو شرط للاستمرار. والتفاؤل ليس إنكارًا للألم، بل هو مقاومة له.
نقولها بوضوح: مهما اشتدت الأزمات، يبقى التعلق بحبل الله هو الثابت الذي لا يتغير. هو باب الفرج، ومصدر القوة، ومنه يبدأ كل تغيير حقيقي.
فمن بين الركام، يولد الأمل…
ومن قلب المعاناة، يبدأ الطريق من جديد.
التعليقات (0)
اكتب تعليقك ثم اضغط «نشر». إن لم تكن مسجّلاً، سنفتح لك نافذة الدخول ويُنشر تعليقك تلقائياً بعد تسجيل الدخول.
لا توجد تعليقات بعد. كن أول المشاركين.