ونحن نتفيأ ظلال هذا السبت الرابع من يوليو لعام 2026، حيث تتلألأ مياه العقبة كأنها مرآةٌ صقلتها قرونٌ من الترحال والتجارة، لا يسع المرء إلا أن يتأمل هذا المشهد البشري الفريد؛ حيويةٌ لا تهدأ، ووفودٌ سياحيةٌ وتجاريةٌ تتقاطر من كل صوب، وكأن العقبة اليوم تستعيد دورها التاريخي الفطري بوصفها نقطة ارتكازٍ لا غنى عنها في خارطة العالم القديم والحديث. إن الناظر من شرفات الفنادق المطلة على هذه البقعة الساحرة، يرى أبعد من حدود النظرة البصرية المباشرة؛ إنه يرى “أيلة” كما عرفها الأقدمون، ذلك الاسم الذي سكن الذاكرة الإنسانية منذ فجر التاريخ، حين كانت هذه الضفافُ، بما تشمله اليوم من العقبة وإيلات وطابا، ملاذاً للقوافل وملتقىً للباحثين عن مرافئ الأمان في مهب رياح البحر الأحمر العاتية.
ولا يكتمل هذا المشهد عندي إلا بتلك الحوارات الإنسانية العفوية التي أستمتع بتجاذب أطرافها مع الناس في كل محطة، فقد مرَّ بذاكرتي اليوم “الحاج أبو محمد”، ذلك السائق الذي دار بيني وبينه حديثٌ شجيٌّ خلف مقود التاكسي؛ أخبرني بلهجةٍ يملؤها الرضا عن رحلته من “المفرق” حيث بيته وذكرياته، ليحطَّ رحاله في العقبة مستأجراً، مدفوعاً بمسؤولية الأب الذي يريد تأمين مستقبل ابنتيه في الجامعات، مؤكداً لي أن العقبة، رغم ارتفاع تكاليف المعيشة فيها، تظلُّ واحةً تمنح الساكن فيها حياةً كريمة بفضل فرص العمل المتجددة التي تضخها الحركة السياحية النشطة.
إن حكاية “أبو محمد” هي جزءٌ من نسيج هذه المدينة المتنامية، فالعقبة اليوم ليست مجرد ميناء، بل هي وجهةٌ تحظى باهتمامٍ حكوميٍّ متصاعدٍ يتجلى في كل زاوية، مما جعلها تزدهرُ بشكلٍ لافتٍ وتتحول إلى بيئةٍ جاذبةٍ للكفاءات والفرص. لا يمكن للمتأمل في جغرافيا المكان أن يفصل بين العقبة وجارتها التي تشاركها هذا الخليج؛ فالتاريخ لا يعترف بالخطوط التي رسمتها ريشة السياسة بقدر ما يعترف بالروابط التي نسجتها ضرورة الحياة وتدفق التجارة. كانت “أيلة” يوماً اسماً واحداً يتردد في كتب المؤرخين والرحالة، وهي اليوم تتبدى في صور متعددة، حيث تتجاور المدن في رقصةٍ جغرافيةٍ متناغمة، تعيد تذكيرنا بأن الجغرافيا قدرٌ لا يمكن تجاهله.
إن مسمى “أيلة” ليس مجرد أثرٍ غابر في كتب التاريخ، بل هو الجذر العميق الذي تنمو عليه اليوم شجراتُ التنمية في المنطقة؛ فمن قلعة العقبة التي شهدت تقلبات العصور، إلى النهضة العمرانية التي تشهدها إيلات وطابا، يظل هذا المثلثُ محتفظاً بعبقِ المركزية التاريخية التي جعلت منه على مر العصور بوابةً نحو العمق الإقليمي ومرفأً للأحلام الاقتصادية الكبرى.
إننا حين نكتبُ اليوم عن هذه المنطقة، فإننا لا نكتبُ سيرةً لمكانٍ جامد، بل نوثق مسيرةَ تطورٍ لم يتوقف قط؛ فالعقبة اليوم، بفضل رؤيتها التنموية، تعيد صياغة موقعها كحاضرةٍ عالمية، مستندةً إلى إرثٍ عريقٍ يمتد إلى قرونٍ خلت، حين كان الحجاجُ والتجارُ يمرون عبر هذه المسالك، واضعين فيها ثقتهم وأماناتهم. إنَّ هذا الوهج الذي تراه في عيون الوافدين إلى العقبة من مختلف الأطياف والتوجهات، يجدُ صداه في الأخبار التي طالعتنا بها الصحف في الشهر المنصرم؛ فبينما تتجه الأنظار نحو تعزيز الاقتصاد الرقمي والابتكار، نرى الميناء يخطو قفزات نوعية في أحجام البضائع، وتتوج الجهود باتفاقيات استراتيجية كبرى مثل مشروع خط أنابيب النفط “البصرة-العقبة” الذي تسارعت وتيرة تنفيذه في مطلع يوليو الجاري، وصولاً إلى شراكاتٍ دولية مع اليونسكو لتعزيز التنمية المستدامة في العقبة ووادي رم.
إن العقبة اليوم تُعيد تقديم نفسها كمدينةٍ ذكية ومستدامة، تفتح ذراعيها للاستثمار وتدعم مشاريع الريادة التي تضع خليجها على خارطة الأبحاث العالمية، كما في الاكتشافات البحرية الأخيرة. إنها العقبة، مدينةٌ تتنفسُ تاريخاً وتزفرُ مستقبلاً، فظلت عبر الزمن جسراً بين الثقافات، ومركزاً يربط المشرق والمغرب في بوتقةٍ واحدة؛ نقفُ أمام فصلٍ جديدٍ من فصولها، حيث يتحول التاريخ بعينِ البصيرة الاقتصادية إلى محركٍ لمستقبلٍ واعد.
فكرة المقال عن كيف العقبة بترجع لدورها التاريخي كمركز تجاري وسياحي قوية. الواحد بلاحظ هالتطور الكبير اللي بيصير فيها وكيف الحكومة مهتمة فيها.
فعلاً، كلام الحاج أبو محمد عن فرص الشغل بالعقبة صحيح، بس كمان غلاء المعيشة اللي حكاه بالمقال بخلّي الواحد يفكر كيف الناس بتدبر حالها هناك عشان مستقبل أولادها.