في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الشارع العربي في البلاد، تبرز بين الحين والآخر مؤشرات لا يمكن للمراقب الحصيف تجاوزها. الاستطلاع التفاعلي الأخير الذي طرحه الزميل الصحفي محمد مجادلة عبر قناته على منصة “تلغرام”، والذي شارك فيه 1,782 مصوتاً، يضعنا أمام لوحة واضحة تعكس توجهات الرأي العام. وهو مشهد لم يفاجئنا هنا في إدارة تحرير “موقع جنوب” (janoob. net)، فقد تطرقنا لهذا التحول في المزاج العام مراراً، واستطلاعاتنا التفاعلية الخاصة التي أجريناها مؤخراً أظهرت نتائج ومؤشرات متطابقة تقريباً لما حمله هذا الاستطلاع.
سقوط الشعارات وولادة الـ 16%
لعل المعطى الأهم في هذه الأرقام يتمثل في تلك النسبة الصامتة التي بلغت 16%، والتي أعلنت صراحة رغبتها في التصويت لبديل جديد كلياً. الحقيقة التي يجب أن تُقال بشفافية هي أن الشعارات الفضفاضة لم تعد تنطلي على مجتمعنا العربي. نحن نعيش اليوم في عصر ثورة الأخبار والمعلومات، حيث باتت أسرار السياسة وكواليسها تصل إلى كل فرد مباشرة عبر شاشة هاتفه الصغير، ووفقاً لقنواته الخاصة في استقاء المعرفة. هذه الـ 16% هي صرخة وعي من ناخب بات يمتلك المعطيات، ويبحث عن خطاب عملي بعيداً عن الاستهلاك الإعلامي الذي عفا عليه الزمن.
ترجمة الأرقام والمقاعد: لغة الحسابات التي لا تكذب
لفهم حجم هذا التحول، يجب إسقاط هذه النسب على لغة الأرقام الواقعية. استناداً إلى تقديرات أصحاب حق الاقتراع العرب اليوم (بين 1. 15 و 1. 2 مليون ناخب)، وبنسبة تصويت مشابهة للانتخابات الأخيرة (53. 2%)، فإننا نتحدث عن كتلة تصويتية تبلغ حوالي 611 إلى 638 ألف صوت فعلي. وبناءً على نسبة الحسم التي تقارب 150 ألف صوت، فإن توزيع الأصوات والمقاعد بحسب الاستطلاع سيكون كالتالي:
القائمة العربية الموحدة (48%): تحصد ما بين 293,000 إلى 306,000 صوت تقريباً. هذا الرقم يعني تجاوز نسبة الحسم بشكل مستقل وبفارق مريح جداً، وتأمين كتلة برلمانية قوية تتراوح بين 7 إلى 8 مقاعد.
الجبهة (16%) وحزب “آخر” (16%): يحصل كل منهما على حوالي 97,000 إلى 102,000 صوت. وهذا يعني الحاجة الماسة إلى أصوات إضافية أو تحالفات لضمان عبور نسبة الحسم بأمان.
“العربية للتغيير برئاسة الطيبي” (10%) والتجمع (10%): كل منهما . وهو امر يجعل تجاوزهما لنسبة الحسم بشكل مستقل أمراً مستحيلاً، ويفرض عليهما التحالف للبقاء في الخارطة البرلمانية.
نهج الموحدة. . ثقة تتجاوز الضجيج
حصول “الموحدة” على 48% في هذا الاستطلاع ليس مجرد تفوق تنظيمي وحشد رقمي عابر. في قراءة متأنية، يوضح هذا الرقم المكتسح مدى ثقة المجتمع العربي بنهج القائمة العربية الموحدة، وبالعمل البراغماتي والميداني الذي يقوده الدكتور منصور عباس. فرغم كل التحديات والضجيج السياسي المحيط، يبدو أن الشارع العربي قرر الانحياز لمنهجية التأثير والمشاركة الواقعية التي تضع قضايا المواطن في المركز.
القاع يزدحم: تقييم شعبي وليس مجرد خطر
في المقابل، يتشارك “حزب الطيبي” والتجمع الوطني الديمقراطي قاع الاستطلاع، بنسبة 10% لكل منهما، في تقارب تام ودون أي أفضلية لأحدهما على الآخر. في الواقع، أنا لا أرى في هذه الأرقام المتدنية مجرد “خطر سياسي” يهدد بقاء هذه الأحزاب، بل أرى فيها ما هو أعمق من ذلك: إنها “علامة” واضحة وتقييم مباشر وصارم من قبل الشعب لمستوى عمل وأداء هذه الكيانات. الشارع لا يرحم، والتصويت أصبح أداة لمحاسبة الأداء الفعلي على الأرض، وليس مكافأة مجانية على تاريخ مضى.
المشهد السياسي العربي يُعاد تشكيله بأيدي جيل يمتلك المعلومة ويرفض الوصاية. من يثبت نجاعة نهجه سيحظى بثقة الناس، ومن يكتفي بالشعارات سيجد في أرقام القاع تقييماً قاسياً لعمله الميداني. وصناديق الاقتراع القادمة لن تكون سوى انعكاس حقيقي لهذه الحقيقة.
مبين من الأرقام إن الموحدة ماشية صح بالشارع العربي، بس بنفس الوقت الأرقام بتوضح إنه الأحزاب الثانية ضروري تفكر بالتحالفات جدياً عشان ما تخسر مقاعدها.
فعلاً، نسبة الـ 16% اللي تبحث عن بديل جديد هاي بتورجينا إنه الناس تعبت من نفس الوجوه والكلام الفاضي. يا ترى مين ممكن يكون هالـ ‘بديل الجديد’ اللي يحكي بلغة الواقع؟