مقامات النقب: قبور “العسمان” في عسلوج.. بين عبق الموروث الشعبي والجدل الديني

مقامات النقب: قبور “العسمان” في عسلوج.. بين عبق الموروث الشعبي والجدل الديني

في قلب صحراء النقب، وتحديداً في منطقة عسلوج، تقف معالم صامتة تروي حكايات أجيال مضت، حيث تتجسد العلاقة المعقدة بين الإنسان البدوي وبيئته القاسية، وبين فطرته الروحية ومعتقداته المتوارثة. عدسة “وكالة أخبار جنوب” توقفت أمام أحد هذه المعالم البارزة؛ “قبور العسمان”، لترصد مشهداً يتجاوز كونه مجرد بناء حجري، بل هو وثيقة تاريخية واجتماعية ودينية حية.

يُظهر المشهد قبراً بسيطاً بُني على شكل مدرجات طُليت باللون الأبيض الناصع (النورة أو الجير)، تعلوه أخشاب عُقدت عليها أقمشة ورايات بيضاء ترفرف مع رياح الصحراء. هذا الطراز المعماري الذي يُعرف بـ “المقام”، لم يكن يوماً مجرد علامة جغرافية للمسافرين في البادية، بل كان ملاذاً روحياً ومحجاً اجتماعياً تهفو إليه القلوب.

جذور المعتقد: البحث عن الملاذ في شخص “الولي”

في بيئة صحراوية تتسم بشح الموارد وقسوة الطبيعة، كان الإنسان البدوي دائم البحث عن قوى غيبية خيرة تسانده وتمنحه الأمل. من هنا، ترسخ في الوجدان الشعبي مفهوم “أولياء الله الصالحين”. الولي في العرف الشعبي هو شخص عُرف في حياته بالزهد، والتقوى، وكثرة العبادة، وربما نُسبت إليه “كرامات” خارقة للعادة. وبعد مماته، يتحول قبره إلى مزار تُعقد عنده الآمال.

لقد لعبت مقامات مثل “قبور العسمان” أدواراً حيوية في الحياة الاجتماعية لقبائل النقب. لم يقتصر الأمر على التبرك والدعاء طلباً للشفاء أو الرزق أو الذرية، بل امتد ليكون محكمة عُرفية صامتة. ففي حالات النزاع وانقطاع الأدلة، كان الخصوم يتوجهون إلى قبر الولي لحلف اليمين. وكانت الهيبة والخوف من “شارة الولي” (أي غضبه وعقابه الغيبي) كفيلة بردع الكاذب وإظهار الحق، مما جعل لهذه المقامات وظيفة في حفظ السلم الأهلي والاجتماعي. أما الأقمشة والرايات المعقودة التي تظهر في الصورة، فهي تُمثل “النذور”؛ حيث يعقد الزائر قطعة قماش كأمانة أو وعد يفي به إن تحققت أمنيته، أو كعلامة لترك أثر روحي في حضرة الولي.

الفجوة بين التقاليد الشعبية والمنظور الديني

على الرغم من أن محبة الصالحين تستند إلى جذور دينية إسلامية تعظم من شأن “أولياء الله” الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، إلا أن الممارسات التي رافقت هذه المحبة بمرور الزمن خلقت فجوة واسعة بين “التدين الشعبي العفوي” وبين “الرسالة الدينية الصافية” كما تراها المدارس الفقهية المتنوعة. لقد تحول احترام الصالحين في كثير من الأحيان إلى ممارسات يراها البعض انحرافاً عن التوحيد الخالص، مثل البناء على القبور، وتجصيصها، والاعتقاد بأن الميت يملك ضراً أو نفعاً.

وعند تسليط الضوء على هذه الفجوة من خلال منظور مذاهب الإسلام المختلفة، نجد تبايناً واضحاً في النظريات وتفسير هذه العادات:

أولاً: المدرسة الصوفية والتدين الشعبي

تُعد هذه النظرية هي الحاضنة الأساسية والأقرب تفسيراً لما نراه في الصورة. في الفكر الصوفي الشعبي، يُنظر إلى الأولياء باعتبارهم أبواباً للرحمة ووسائط للتقرب إلى الله. بناء المقامات، وزيارتها، وشد الرحال إليها، وتقديم النذور، والتبرك بآثارها كربط الأقمشة، تُعتبر ممارسات مقبولة بل ومستحبة. يعتقد أصحاب هذا التوجه أن الولي حيٌ في برزخه، وأن كرامته مستمرة بعد موته كما كانت في حياته.

ثانياً: المدرسة السلفية النصية

يقف هذا التوجه على النقيض تماماً من المشهد الذي تعكسه الصورة. ترى المدرسة السلفية (وامتدادها من المذهب الحنبلي الصارم) أن بناء القبور، وتجصيصها، والصلاة عندها، وربط الأقمشة طلباً للبركة، هي أفعال مُحرمة وتُصنف ضمن “البدع المحدثة”. بل إن البعض يرى في طلب الحوائج من أصحاب القبور شركاً ينافي أصل التوحيد الذي جاء به الإسلام. ووفقاً لهذه النظرية، يجب تسوية هذه القبور بالأرض والاكتفاء بزيارة القبور السُّنية البسيطة للدعاء للميت وتذكر الآخرة فقط، دون أي طقوس إضافية.

ثالثاً: مدرسة الجمهور (الأشاعرة والماتريدية)

يتخذ جمهور الفقهاء من المذاهب السنية الأخرى موقفاً وسطاً يميل إلى التنقية. فهم يقرون بمكانة الأولياء ويثبتون كراماتهم، ويستحبون زيارة قبور الصالحين للاعتبار والدعاء لهم. لكنهم في الوقت ذاته، يُنكرون بشدة التجاوزات الشعبية التي رافقت هذه الزيارات؛ فيرفضون المغالاة، ويحرمون الطواف بالقبور، أو النذر لها، أو اعتقاد النفع والضر في الميت. بالنسبة لهم، ما نراه من ربط للأقمشة وتجصيص مبالغ فيه هو من “جهالات العوام” التي يجب تقويمها بالتعليم والإرشاد، لا بالهدم والتكفير.

خلاصة القول

إن صورة مقام “العسمان” في عسلوج ليست مجرد توثيق لحجارة وأقمشة بالية، بل هي قراءة بصرية لتاريخ طويل من “الإسلام البدوي الشعبي” الذي مزج بين العاطفة الدينية الفطرية، والحاجة الاجتماعية الماسة، والموروثات الصوفية العتيقة.

اليوم، وفي ظل التطور الاجتماعي، وانتشار التعليم المنهجي، وبروز الحركات الدينية الإصلاحية والسلفية في النقب وعموم المنطقة، بدأت هذه الظواهر في الانحسار. باتت الأجيال الشابة تنظر إلى هذه المقامات إما كآثار فلكلورية وتاريخية تروي قصة الأجداد، أو كعادات بالية تم تصحيحها وفق المنظور الديني الأكاديمي. ومع ذلك، تبقى هذه القبور البيضاء المتناثرة في صحراء النقب شواهد صامتة على حقبة زمنية كان فيها الإنسان يبحث عن التقرب الى الله وسط قسوة الرمال، فبنى من الحجارة البيضاء جسراً للأمل والرجاء.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.

شارك واتساب تيليغرام

تعقيبات القراء

التعليقات (3)

علّق باسمك. قد يُطلب منك إكمال الدخول قبل النشر.

  • yousef alasam

    في ناس بتزور قبر جدنا لليوم وبنكحتهم لانه حرام ،الهيبه والقوه والاحترام موجوده لليوم وفي ناس لليوم بتحلف فيه …….

  • هالة

    طيب وهل لسه الناس تزور هالمقامات بنفس الطريقة اليوم؟ يعني بعد كل النقاشات الدينية، هل لسه الولي له نفس الهيبة والقوة عند الجيل الجديد؟

  • فارس الهذالين

    والله كلام سليم، قبور العسمان وغيرها من المقامات كانت زمان زي المحكمة العرفية، كثير نزاعات انحلت عندها بس لأن الكل يخاف يحلف كذب. لها دور كبير في حفظ السلم الأهلي.

من الكاتب نفسه

مقالات أخرى

صفحة الكاتب