العفو شيمة الكبار.. حين تنتصر الحكمة على الفتنة

لا يخفى على أحد منا ما آل إليه حال مجتمعنا العربي في الآونة الأخيرة؛ إذ نعيش في خضم صراعات عبثية وشجارات متلاحقة باتت تمزق نسيجنا الاجتماعي بلا هوادة. يومياً، تطالعنا الأخبار بحوادث تتسبب في تفريق أبناء البلد الواحد، وتشريد العائلات من بيوتها الآمنة، وقطع الأرحام التي أمر الله بها أن توصل. في وسط هذه العتمة التي تفرضها لغة العنف والتفكك، نبحث دائماً عن بصيص أمل يعيد إلينا الثقة بأنفسنا وبأصالة مجتمعنا.
من قلب هذا الواقع المعقد، خرج علينا شعاع نور من النقب، ليثبت لنا أن الخير لا يزال متأصلاً في رجالنا وعائلاتنا. لقد جاء الصلح العشائري التاريخي بين عائلتي “الرميلي – العبرة” و”عشيرة الهزيل” ليكون بمثابة درس بليغ في كيفية إدارة الأزمات الكبرى بحكمة وروية، ومحطة نتوقف عندها لنستلهم منها معاني النبل الإنساني والترفع عن الصغائر.
إن هذا الموقف المشرف لم يكن ليتحقق لولا وجود شخصيات ذات خلق رفيع وفكر عميق؛ رجال أدركوا أن الشجاعة الحقيقية لا تكمن في استمرار الخصومة أو الانسياق خلف دعوات الثأر، بل تتجلى في أبهى صورها في القدرة على كظم الغيظ، والعفو عند المقدرة، وإغلاق أبواب الشر. نقف هنا وقفة إجلال أمام الموقف المهيب للشيخ عصام عطوة العبرة (أبو هيثم) وعائلة الرميلي الكرام، الذين تساموا على جراحهم العميقة وألمهم بفقدان ابنهم الشاب، واختاروا بإرادة حرة ووعي كامل أن يطفئوا نار الفتنة ويحقنوا الدماء.
وفي المقابل، تجلت أصالة عشيرة الهزيل وشيخها حمد سلمان أبو الأمير، في سرعة الاستجابة لصوت العقل، واحتضان هذا العفو بتقدير بالغ ومسؤولية تاريخية تحفظ أواصر الأخوة وحسن الجوار. كما لا يمكننا إغفال الدور المحوري لرجالات الإصلاح الذين واصلوا الليل بالنهار، مسلحين بالصبر والإيمان، لتقريب وجهات النظر وبناء جسور الثقة المفقودة.
هذا الصلح يتجاوز في رمزيته حدود العائلتين الكريمتين؛ إنه صرخة مدوية في وجه كل من يساهم في إشعال الحرائق في مدننا وقرانا. هو رسالة واضحة لكل أبناء مجتمعنا بأن التسامح ليس ضعفاً، بل هو قمة القوة ورجاحة العقل. لقد أثبت هؤلاء القادة أن العادات والأعراف الأصيلة، حين تُوظف بحكمة، قادرة على حمايتنا من الانزلاق نحو الهاوية.
حريٌ بنا جميعاً أن نجعل من هذا الحدث نموذجاً يُدرّس ويُحتذى به، وأن نغرس في نفوس أبنائنا أن العزوة الحقيقية ليست في حمل السلاح أو استعراض القوة، بل في القدرة على بناء السلام وصناعة الحياة. ليتنا نتخذ من هذا الصلح نقطة تحول حقيقية، وصحوة مجتمعية شاملة تعيد الطمأنينة لبيوتنا، وتوحد صفوفنا لنبني مستقبلاً يليق بنا وبأجيالنا القادمة.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.

شارك واتساب تيليغرام

تعقيبات القراء

التعليقات (0)

علّق باسمك. قد يُطلب منك إكمال الدخول قبل النشر.

لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من الكاتب نفسه

مقالات أخرى

صفحة الكاتب