تشرينية الانتظار

تشرينية الانتظار

تشرينية الانتظار
كتابة وتصوير: كايد توفيق أبو الطيف
يعيش جاسم في بيئة لا شكوى فيها هكذا تعلم، وعندما فكر في الأمر وجد في هذا التصور إيجابيات كثيرة لكن الاتصالات لا تنتهي. يعمل نهارا في المنطقة الصناعية عين سارة في بئر السبع على إعداد أفضل تصاميم الأزهار، حيث لاقت تصميماته رواجا كبيرا بين زبائن المشتل، الذين بدأوا يطلبون منه تصاميم بلمسات عصرية. ويفكر طوال الوقت كيف يجدد في عمل يقوم على حرفة قديمة ولا يعرف من أين يبدأ. طلب منه صاحب الورشة تحضير تصاميم شتوية جديدة، وقال له إنه بلغ مرحلة لا يكفي معها أن ينفذ تصاميم غيره، ولكن عليه أن يأتي بأفكار جديدة. وزاد الأمر سوءا أنه لم يعد يشاركهم فطورهم ولا غداءهم. يقضي وقته في الورشة، إما يعدل قضبان الحديد أو ينهي عمله في غرفة الدهان، ثم يأخذ حماما باردا وينطلق إلى الجامعة. وفي آخر النهار يفتح الحاسوب ليبدأ عمله الثالث، إما أبحاثه الخاصة أو أبحاثا مشتركة متعددة الجنسيات، وكل ما يحصل عليه يسدد به ديونا ليست له. والد زوجته يجب ألا يعرف، وهو يعلم في قرارة نفسه أن زوجته حنان ستعرف كل شيء ولو لم يخبرها بشيء، ويعلم أنها تلقت تهديدا بأنه سيعود إليها بكفن إن لم يسدد الديون.

عين سارة
في صباح اليوم التالي كان عليه أن يرافق زوجته حنان إلى فحوصات الحمل الدورية، يتمنى أن يكون المولود بنتا، أما حنان تفضل في قرارة نفسها صبيا يحمل اسم والدها لكنها لم تخبره. تركا “سعيد وسعاد” عند عمتها أم جاسم. تسلل سعيد الصغير إلى السيارة خلسة. وعندما انطلقا إلى مستشفى سوروكا الجامعي في بئر السبع، بقي في السيارة دون علمهما، وظنت الجدة أنهما اصطحباه معهما واطمأنت. عند انتهاء الفحص وجدا زجاج السيارة مكسورا. ثم تلقى جاسم اتصالا من والدته تسأله عن سعيد “كيف سعيد؟” نزل السؤال على رأسه كالصاعقة. “سعيد عندك يا أمي.. لقد ذهب معكما”. اكتشف جاسم وحنان أن زجاج السيارة مكسور ولا أثر لسعيد فيها. بحثا عنه أكثر من خمس ساعات. وفي تسجيلات كاميرات المراقبة ظهر شاب يحطم زجاج السيارة ويأخذ الصغير معه في سيارة بلا لوحات أرقام ثم غادر بمهنية شديدة. وتذكر جاسم أنه اشترى البيانو من صديقه ديمتري خصيصا له ومع الوقت تحول البيانو إلى مكان لوضع الأحذية لعدم استخدامه. وغمرتهما سعادة لا توصف، للمرة الأولى ناداه الناس “أبو السعيد”. كان أبو سعيد آخر من يظن أن يعرف السعادة وابنه غائب، غير أن أهل الحي التفوا حوله وشاركوه البحث عن الصغير، وأحس مع هول المصيبة بدفء لم يعرفه منذ زمن طويل. وبين من يهدئ روعه ومن يقول له “احتسب ابنك طيرا من طيور الجنة”، لم يتوقف أحد عن البحث، ثم أبلغته الشرطة بوجود مؤشرات إيجابية على أن ابنه ما زال حيا. خمس ساعات من الانتظار كانت كافية ليفهم جاسم كيف يتحول الوقت إلى عبء، وكيف يصبح كل رنين هاتف احتمالا لخبر لا يحتمل. غير أن ساعات كهذه تنتهي مهما طالت. ماذا لو لم تكن الساعات خمسا، ولم يكن ثمة هاتف يحمل خبرا ولا شرطة تبشر بمؤشرات إيجابية؟ في هذا الفرق بين الخطر الذي يرى والخطر الذي ينتظر، تتواصل حكاية أخرى في قريته مسلوبة الاعتراف في تشرين.

طمأنينة
ليست المأساة أن البيت قد يهدم غدا، ولكن أن تعيش العائلة يومها كأن أمر الهدم صدر بالفعل. الخوف لا ينتظر الجرافة ولا يبدأ بسقوط الجدار، إنه يدخل البيت قبلها بسنوات ويجلس إلى المائدة، ويتسلل إلى أحاديث المساء، ويؤجل الأفراح ويعيد ترتيب أحلام الأطفال. وعندما يقع الهدم لا يكون بالضرورة بداية الصدمة، ولكن لحظتها الأكثر ظهورا في تاريخ طويل من التهديد غير المرئي. في صحراء الشفاء كما يحب أهلها مناداتها لا يحتاج المرء أن يرى جرافة ليعرف أن بيتا مهدد بالزوال. يكفيه أن يسمع حديثا مقتضبا أو يلمح امرأة تطوي أوراقا رسمية وتعيدها إلى مكان تعرفه وحدها، أو أبا يتردد في ترميم غرفة تشققت جدرانها. عندما يتعلق السكن بقرار لا تملك الأسرة السيطرة عليه، تتغير علاقة الإنسان بالمكان. لا يعود البيت جدرانا وسقفا، ويصبح الاستثمار في الغد مغامرة لا يعرف أصحابها هل يجنون ثمارها؟ قد يجد الخوف لغته في الصمت أكثر مما يجدها في الاعتراف. الرجال يتحدثون عن الأرض والبناء والسياسة لكنهم يتحاشون تسمية ضعفهم الشخصي، والنساء يعرفن أن الاقتراب من احتمال فقدان البيت قد يفتح بابا من الوجع يصعب إغلاقه. أما الأطفال يلتقطون ما لا يقال. في تشرين ينتظر أهل الجنوب المطر ويراقبون الغيوم ويتحدثون عن المنخفضات، ويحسبون ما تحتاجه الأرض من ماء. غير أن ثمة انتظارا آخر لا يظهر في نشرات الطقس ولا تقيسه أجهزة الأرصاد الجوية. بقيت القرية كلها صاحية ولم ينم فيها أحد، جلسوا حوله يواسونه ويقولون إن الخبر السار سيأتي مع سعيد، وجاسم لا يعرف في قرارة نفسه هل يناجي الله أن يعود إليه ابنه حيا، أم أن يعود ولو ميتا ليهدأ روع زوجته وعائلته وأهل قريته؟ مناجاة لو جهر بها أمام حنان لما كلمته بقية الشتاء.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.

شارك واتساب تيليغرام

تعقيبات القراء

التعليقات (0)

علّق باسمك. قد يُطلب منك إكمال الدخول قبل النشر.

لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من الكاتب نفسه

مقالات أخرى

صفحة الكاتب