المظلومية هي الحل؟ حيّهم النشامى

المظلومية هي الحل؟ حيّهم النشامى

المظلومية هي الحل؟ حيّهم النشامى
كتابة وتصوير: كايد توفيق أبو الطيف
تنشط ساحة التواصل الاجتماعي بصورة مثيرة للاهتمام بين فئة الشباب الذين قادوا حراك الربيع العربي منذ عام 2011، وكانوا يطالبون بداية بإسقاط النظام، ليطالبوا اليوم المنظومة الاقتصادية فرصا متكافئة للعمل، خصوصا في تنمية المصالح الصغيرة. الكل يدعو إلى إسقاط المنظومة الاقتصادية وأخذ دوره في نهضة البلد وعمارته. جاءت هذه الدعوات على شكل سؤال يبدو بريئا للوهلة الأولى حول من هو العربي؟ إلى أن جاء دولة الدكتور عبد الرؤوف الروابدة، السياسي الأردني ورجل الدولة، وأول رئيس وزراء للمملكة الأردنية الهاشمية في عهد الملك عبد الله الثاني بن الحسين، والملقب في أوساط النشامى بـ”البلدوزر” لما يعرف به من حزم إداري وصلابة في اتخاذ القرار. وكل طالب علم وطالبة علم من بئر السبع يدرك تماما ما يعنيه ذلك، فقد كان الروابدة يستبشر عندما يتعرف إلى الطلاب السبعاويين على وجه الخصوص، وكأن في هذه المعرفة صلة تتجاوز حدود المكان إلى معنى أعمق من اللقاء. ولعل الروابدة بما جسده من صورة رجل الدولة الحازم، يختصر في هذه العلاقة مأزق الهوية نفسه. عروبة لا تلغي الانتماء، وانتماء لا يستلزم إلغاء الآخر، هوية تتسع للاختلاف من غير أن تتنكر لأصلها، وانتماء يثبت ذاته من غير أن يحتاج إلى محو سواه.

أم الصبيان
الأسطورة هي تجسيد لخوف الإنسان القديم من التيه والهلاك جوعا أو عطشا وفقدان الاتجاهات. العربي كان يخشى الكائنات التي تتلون وتتغير أشكالها لتضله عن الطريق وتؤدي به للفناء المحتم بعيدا عن أمان القبيلة. وينصب مشروع الأستاذ الدكتور محمد عجينة على تفكيك بنية الفكر الأسطوري والرمزي، وتحليل رواسب المعتقدات الجاهلية الممتدة في المدونات والوعي الثقافي العربي. ويعرف على نطاق واسع بمشروعه المرجعي “موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية ودلالاتها”، الذي يخصص فيه فصلا كاملا لـ”أساطير الكائنات اللامرئية: الجن والغول والملائكة والسعلاة”. إذ يصور خوف الشيخ الهرم من أن تبتلعه الصحراء غدرا عبر “الغول” الذي يتلون ليقوده إلى مكان سحيق ويمحو عظامه وهذا الرعب يتجاوز الموت إلى ما هو أبعد من “المحو الجغرافي” الذي يحرمه من قبر يزوره أبناؤه ويخلد ذكره. مما جعل العربي القديم يحيط نفسه بسلسلة من التمائم والرقى والطقوس الدفاعية لرد هذا الخوف. وفي المخيلة الجاهلية، تعتبر “أم الصبيان” مسخ أو كائن غيبي يتسلط على الحوامل والمرضعات والأطفال بالمرض أو الموت. لم تختف هذه الأسطورة ولا حتى أسطورة “التابعة” بانتهاء الجاهلية، ولكن تسربتا للفضاء الإسلامي وتحورتا لتصبحا مرتبطتين بالجن وظهرت لهما رقى مخصصة. وامتد هذا الخوف إلى خشية “المسخ” كأسطورة “النسناس”، المخلوق نصف الإنساني بما يعكس رعبا من فقدان الهوية الإنسانية والارتداد للحالة الهمجية.

نقوش صوتية
يوثق باحثون في تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام، من بينهم الأستاذ الدكتور روبرت هولاند المتخصص في نقوش شبه الجزيرة العربية، أن النقوش الصخرية كانت منتشرة بكثافة لدى البدو القدامى، وغالبا ما تضمنت لعنات على من قد يمحو الاسم المنقوش وكأنها محاولة لإثبات وجود لا يبتلعه التيه. وإذا سمحنا لأنفسنا بقراءة هذه العادة القديمة في مرآة الحاضر، يمكن القول إن العنف المستفحل اليوم ليس انحراف سلوكي ناتج عن غياب الردع أو الفقر وحده، إنما قد يكون رؤية معاصرة لخوف قديم من المحو. حيث يعيش الشاب “محوا مؤسساتيا وسياسيا” يضعه على هامش التأثير، وحيازة السلاح وإطلاق الرصاص ليلا يتحولان إلى “نقوش صخرية صوتية” في محاولة عنيفة لانتزاع الاعتراف بالوجود. وعندما تفشل الدولة الحديثة في توفير العقد الاجتماعي والأمان الوجودي، لا يبقى النسيج الاجتماعي فارغا ويرتد إلى ترسانته الدفاعية الموروثة. وهذا ما يتقاطع مع أطروحة الأستاذ الدكتور خلدون النقيب حول صراع العصبية القبلية والدولة المعاصرة كما في كتابه “صراع القبيلة والديمقراطية” عندما تنكفئ أجهزة إنفاذ القانون يصبح الانتماء للعصبية آلية التحوط الوحيدة المتاحة، وتصفية الحسابات هي “القانون البديل” لإعادة ضبط توازن القوى المفقود. المجتمع لا يتصرف بجهل ولكن بمنطق بقاء بدائي، إذ يصبح العنف أداة لإنتاج أمان فردي مؤقت في غياب أمان مؤسساتي مستدام. كما ان استمرار الأزمة عبر ثنائية “زيادة أفراد الشرطة” أو “الميزانيات الاقتصادية” سيبقي الوضع على حاله، لأن هذه الحلول التقنية تعالج أعراض المرض لا بنية المعنى.

الثلاثاء 27/10
يتقاطع هذا كله مع حدث سياسي غير مسبوق، عندما صوتت لجنة الانتخابات المركزية، يوم الأربعاء 23 أيلول/سبتمبر الجاري، بأغلبية 18 مقابل 5 على شطب ترشح “القائمة المشتركة” من انتخابات الكنيست المقبلة، وبنسبة مقاربة على شطب “القائمة الموحدة”، إضافة إلى شطب ترشح سامي أبو شحادة بأغلبية 31 مقابل 4، ومنع النائب عوفر كسيف بأغلبية 19 صوتا على أن تبقى القرارات النهائية بيد المحكمة العليا. هذا القرار ليس تفصيلا إجرائيا إنما استمرار لمنطق المحو ذاته المتمثل في محو صوت بدل محو الأثر. وكلما انخفضت نسبة التصويت في المجتمع العربي، ازدادت فرص القوى التي تسعى للإقصاء في الحفاظ على نفوذها، والرد الأقوى على محاولات التهميش يبقى بالحضور والمشاركة. نعود للسؤال الأول مجددا من هو العربي؟ السؤال نفسه فخ إن بقي نظريا. الطقوس القديمة لم تعد خيارا، ولكن عادة يمكن كسرها بفعل الحضور الفعلي حيث يصنع القرار. من يطلق الرصاص ليلا يبحث عن اعتراف، إلا ان الاعتراف الحقيقي متواجد هناك في صندوق الاقتراع وليس في الهواء. من يخشى المحو يواجهه بالمشاركة وليس بالتراجع صوب العصبية. شطب “المشتركة” و”الموحدة” رهان على غياب الناخب العربي وإسقاط هذا النوع من الرهان لا يحتاج خطابا، إنما نسبة تصويت تربك حساب من راهن على الغياب. والفناء الذي خافه الأجداد في الصحراء يتكرر اليوم في صندوق فارغ، حيث لا حاجة لأسطورة لاثبات الوجود، يكفي صوت لا يشطب لأنه لم يغب.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.

شارك واتساب تيليغرام

تعقيبات القراء

التعليقات (1)

علّق باسمك. قد يُطلب منك إكمال الدخول قبل النشر.

  • فتحي الأشقر

    كلام الكاتب عن الشباب ومطالبهم الاقتصادية مهم كثير. هل بتوقعوا إن التركيز على فرص العمل والمشاريع الصغيرة ممكن يجاوب على سؤال الهوية يلي طرحه المقال ولا الموضوع أعمق من هيك؟

من الكاتب نفسه

مقالات أخرى

صفحة الكاتب