ضجيج الأبواب المغلقة: أجراس مبحوحة ورسائل مفقودة
كتابة وتصوير: كايد توفيق أبو الطيف
يتكرر هذا الأسبوع اسم واحد في سياقين لا يجمع بينهما شيء. الأول بيل غيتس الذي كسر تفاؤله التاريخي تجاه التكنولوجيا بمقال مطول عبر مدونته الشخصية “ملاحظات غيتس”، معلنا أن الانتقال إلى عصر الذكاء الصناعي سيكون من أكثر الفترات اضطرابا في تاريخ البشرية، ولا الحكومات ولا حتى الخبراء والمجتمعات يملك خطة جادة لإدارته. والثاني بيل الدرباس، بطل مسلسل الرسوم المتحركة الياباني الكلاسيكي “بيل وسيباستيان”، الذي عاد إلى الذاكرة مع عودة الأطفال للمدارس عشية الانتخابات التشريعية للكنيست 26 يوم الثلاثاء 27 تشرين الأول/اكتوبر 2026، ويبقى السؤال على حاله. من يملك خطة حقيقية عندما يقترب الخطر، ومن يكتفي بالوعد؟
معادلة مزدوجة
يؤطر بيل غيتس، الرجل الذي رافق ثورة الحاسوب الشخصي منذ نشأتها ووصف مخاطر الذكاء الصناعي قبل ثلاثة أعوام فقط بأنها “حقيقية لكن قابلة للإدارة”، هذه التقنية اليوم بوصفها ذات وجهين متناقضين، من جهة “أعظم أداة للمساواة يمكن اختراعها على الإطلاق” قادرة على إحداث طفرات في الطب والزراعة وكفاءة الخدمات الاجتماعية والتعليم، ومن جهة أخرى “أسوأ مصدر للظلم” إن لم تتخذ القرارات الصحيحة في السنوات المقبلة. وهو يرفض المقارنات المطمئنة بالثورات الصناعية السابقة، إذ ان تلك التحولات استغرقت أجيالا كاملة، بينما يستهدف الذكاء الصناعي التفكير نفسه، وقادر على منافسة الإنسان في القانون والطب والبرمجة خلال عقد واحد لا أجيال. إلى جانب هذا البعد الاقتصادي يضع اعتماد الأطفال المتنامي على هذه الأنظمة، وتصاعد الجرائم الإلكترونية ومخاطر الإرهاب البيولوجي المدعوم بها. وفي مواجهة هذا المشهد، يطرح غيتس إطارا من ثلاثة محاور. حوكمة دولية صارمة تستلهم آليات التفتيش النووي وتنظيم الطيران، اضافة الى التشديد على المهن “المحفوظة للبشر” كرعاية المسنين والتشخيص الطبي الحساس، وضريبة على الآلة تمول شبكة أمان اجتماعي وإعادة تأهيل مهني للعمال المستبدلين. المفارقة أن شخصية استثمرت عقودا في الترويج للتفاؤل التكنولوجي تتحدث اليوم من موقع القلق. لكن الطرح لا يخلو من توتر، ضريبة الروبوتات تصطدم باعتراضات اقتصادية حول قابليتها للتطبيق في اقتصاد عابر للحدود، ودعوة الحوكمة الشبيهة بالتفتيش النووي تصطدم بتنافس محموم يجعل التنسيق الدولي أقرب إلى طموح أخلاقي منه إلى مسار سياسي واقعي. وتبقى الفجوة على حالها بين من يشخص الخطر، ومن يملك أداة مواجهته وهذا بالضبط ما يعيشه الجنوب كل موسم انتخابات.
من يعرف من؟
في حكاية “بيل وسيباستيان”، الأنمي الياباني الذي عرض للمرة الأولى عام 1981 بإنتاج مشترك بين شركتين فرنسيتين وشركة يابانية عن رواية للكاتبة سيسيل أوبري، لا يحتاج بيل إلى برنامج انتخابي كي يأتي، ولا إلى لجنة كي يقرر، ولا إلى حملة كي يثبت وجوده. إذا كان الطفل في خطر يأتي، وإذا ضاع أحد يبحث عنه. المفارقة التي رسخت في الذاكرة ليست في حجم بيل، ولكن في قدرة طفل صغير على أن يرى فيه ما لم يره الآخرون. ويحدث العكس غالبا في السياسة، يعرف المكان قبل أن يتحدث أهله عن أنفسهم، وتحدد مشكلاته قبل أن يحددها سكانه، وتقاس حاجاته عبر الجداول والتقارير والقرارات المركزية أكثر مما تقاس عبر التجربة اليومية للناس. السؤال لم يعد ماذا ينقص الجنوب؟، ولكن من يعرف ما ينقصه؟ والفرق بين السؤالين فرق في القوة. من يملك حق التشخيص يملك حق القرار. والجنوب شأنه شأن أي تشخيص جاد لتحد كبير، ليس كتلة واحدة ولا صوتا واحدا. أجياله ومناطقه وطبقاته ومصالحه السياسية والاجتماعية والثقافية لا تتحدث لغة واحدة. فيه اختلافات وتوترات وتجارب مختلفة مع الدولة والبلدية والسوق والمؤسسات التعليمية والثقافية. وهذه التعددية ليست عيبا ينبغي إخفاؤه لإنتاج “صوت الجنوب” الواحد الذي يسهل تمثيله في خطاب انتخابي، إنما جزء من المعرفة التي يجب أن تسمع تماما كما تعدد المصالح.
مقابلة الرواية والتجربة
المقارنة مزدوجة، الأولى بين السياسة كما تعلن، والسياسة كما تعاش. ماذا قيل للجنوب في الدورات الانتخابية السابقة؟ ماذا تحقق فعليا؟ أي قرارات غيرت حياة الناس، وأي وعود بقيت في مستوى اللغة؟ يصبح معيار النجاح هو ما تقوله المؤسسات عن نتائج سياساتها بمعزل عما حدث فعلا لمن صممت من أجلهم. والثانية بين الجنوب بوصفه موضوعا للسياسات، والجنوب بوصفه منتجا للمعرفة عنه. يقاس المكان بالبنية التحتية والتعليم والتشغيل والإسكان والتمثيل السياسي كملف إداري، كما يصبح السؤال الحاسم من يقرر، ومن يملك المعرفة، ومن يستطيع تحويل المعرفة المحلية إلى سياسات عامة، ومن يتحمل نتائج القرار عندما يفشل في الوصول للحياة اليومية. لا يمكن فصل المدرسة عن المدينة، ولا المواصلات عن فرص العمل، ولا التخطيط عن توزيع الموارد، ولا الثقافة عن الإحساس بالانتماء للمكان، ولا التمثيل السياسي عن قدرة السكان على مساءلة من يمثلهم. هذه الأبعاد لا تختبر في يوم الانتخابات، ولكن في المسافة التي تفصل الوعد عن التنفيذ. وهذه المسافة هي بالضبط ما يحذر منه غيتس على المستوى الأوسع. والفارق أن الجنوب لا ينتظر عقدا كي يختبر الفجوة بين الخطاب والواقع، إنه يختبرها في كل دورة انتخابية. يمكن للجنوب أن يعيد ترتيب السؤال الانتخابي. لا من معنا؟ ولكن من يستطيع أن يجيب؟ وماذا سيفعل، وبأي أدوات، وتحت أي مساءلة؟ الأطفال الذين نشأ آباؤهم على حكاية بيل وسيباستيان يعودون اليوم إلى مدارس ومدن وأسواق عمل تتغير بفعل تكنولوجيا تعيد تشكيل المعرفة والعمل، التكنولوجيا ذاتها التي يحذر غيتس من أنها ستنافس الإنسان في مهن كاملة خلال سنوات لا عقود. أي مدرسة سيعودون إليها، وأي اقتصاد ينتظرهم، وأي قدرة ستكون لديهم على المشاركة في تحديد مستقبل المكان الذي يعيشون فيه.
صندوق
في الحكاية كان بيل يأتي كلما احتاجه سيباستيان. وفي السياسة لا يكفي أن يأتي أحدهم عندما تقترب الانتخابات. المطلوب معرفة من سيبقى بعد أن تنتهي اللحظة التي استدعت الوعد، ومن سيعود إلى الجنوب لا ليشرح له ما ينبغي أن يريد، ولكن ليسأله ماذا يريد، ومن سيقبل بأن تكون معرفة الناس بمكانهم جزءا من صناعة القرار لا مادة تبرر قرارا اتخذ مسبقا، ومن سيحاسب على النتيجة لا على جودة الحملة؟ الجنوب لا يحتاج إلى بيل خيالي يأتي لينقذه، يحتاج إلى سياسة لا تتركه ينتظر الإنقاذ أصلا، سياسة تراجع نتائجها بمعايير واضحة وتحدد مسؤولياتها بأسماء لا بشعارات، وتبدأ خطواتها الآن لا بعد صندوق الاقتراع.
التعليقات (0)
علّق باسمك. قد يُطلب منك إكمال الدخول قبل النشر. دخول
لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.