الحصان الذي لم يدفن والبلدة التي لا تنام: أنثروبولوجيا الدولة على هوامشها

الحصان الذي لم يدفن والبلدة التي لا تنام: أنثروبولوجيا الدولة على هوامشها

كتابة: كايد توفيق أبو الطيف | تصوير: رامز سلامة الزبارقة

بين مرج يضببه الندى عام 1983 في مقاطعة كيلدير الأيرلندية، وشارع مكتظ في إحدى بلدات النقب عام 2026، تفصل عقود أربعة وقارتان. ومع ذلك عندما نضع قضية اختطاف الحصان شيرغار الذي كان مملوكا للأمير كريم آغا خان، ذلك المهر الأسطوري الذي اختفى في ليلة ضبابية ولم يعثر له على أثر حتى اليوم إلى جانب موجة العنف والجريمة التي تعصف بالمجتمع العربي من بئر السبع وحتى ضواحي حيفا، تتكشف بنية سردية متكررة ونمط من العلاقة بين المركز والهامش يتجاوز الزمان والمكان. دولة تفقد قبضتها على الأمن في رقعة جغرافية واجتماعية مهملة، ومجتمع محلي يدفع الثمن يوميا، وسلطة مركزية تتهم بالتقصير أو بسوء التقدير أو بكليهما معا في لعبة اتهامات متبادلة لا تكاد تهدأ. وما نقترحه هو أن ثمة “نحوا” مشتركا في الطريقة التي تروى بها هذه القصص، و”صرفا” مشتركا في تنظيم العلاقة بين السلطة والهامش يستحق التوقف عنده لاستخلاص ما يمكن تسميته بـ”أنثروبولوجيا الفشل الرسمي” في مواجهة أزمات الأطراف الجغرافية والاجتماعية.

الهامش خارج التعريف؟
القضيتان رغم كل ما يفصل بينهما تطرحان السؤال نفسه بلهجات مختلفة، كيف تعيد الدولة تعريف “الأمن” عندما يصبح الهامش خارج نطاق التعريف؟ وبأي شرعية تواصل ممارسة سلطتها هناك عند فشلها في أداء وظيفتها الأولى؟ والأكثر إيلاما كيف يبنى الوعي الجماعي في تلك المناطق عندما يصبح الخطر جزءا من الحدث اليومي؟ لقد تحول حصان السباق شيرغار في وجدان الأيرلنديين إلى “رمز للأمل والإمكانية” في سنة اقتصادية كئيبة بلغت فيها البطالة في الشمال 16%، وتصاعدت فيها الهجرة الجماعية إلى بريطانيا والولايات المتحدة بحثا عن لقمة العيش. شكل اختطافه اعتداء مزدوجا على ثروة فردية الى جانب صورة أيرلندا الناهضة اقتصادياً عبر صناعة تربية الخيول التي كانت في حينه ثالث أكبر مصدر للعملة الأجنبية في البلاد، بعد صادرات اللحوم ومنتجات الألبان. وكان شيرغار بعينيه الذكيتين وجسده المفتول تجسيدا ماديا لطموح مجتمع كان يحاول الخروج من عقود من التهميش الاقتصادي والصراع السياسي. وعندما اختفى، اختفت معه صورة كانت البلاد تبنيها عن نفسها. وفي صحراء النقب، الرمزية معكوسة الاتجاه لكنها بالقوة ذاتها. وتحول العنف إلى حالة بنيوية تصادر الحياة اليومية ذاتها. وعند مداخل بلداتنا الشعارات ذاتها تتناوب بين رسالتين “لا للعنف، نعم للتسامح” و “كن لطيفا، لا تكن عنيفا” وهو مشهد يختصر، بصورة صارخة تحول النداء الأخلاقي إلى شعار يومي، لأن الخطر بات جزءا من نسيج المكان لا طارئا عليه، ومعظم المحال مغلقة والحركة شبه معدومة، والأهالي يتجنبون مغادرة منازلهم، والأولياء يترددون في إرسال أبنائهم إلى المدارس، وكأن الحياة نفسها أصبحت رهنا بإذن غير معلن من عصابات تسير الأمور في حالة العنف والجريمة.

فقدان لإمكانية الحياة
شيرغار كان خسارة رمز واحد استثنائي، ومأساة يمكن حصرها في خانة “الحادث” وإن كانت مؤلمة، أما في صحراء النقب، الخسارة متكررة ويومية وهي ليست خسارة كيان مادي واحد بقدر ما هي فقدان التدريجي لإمكانية الحياة الطبيعية ذاتها، إذ سجل المجتمع العربي رقما قياسيا بلغ 252 قتيلا في جرائم عنف خلال عام واحد، معظمها في شمال البلاد، فيما شهد الجنوب وحده نحو 35 جريمة قتل. هذه الأرقام هي خرائط لحياة انكمش نطاقها إلى أدنى حدودها، وأصبح الخروج من المنزل مغامرة والعودة إليه انتصارا. في القضية الأيرلندية، فشلت الشرطة في اقتناص أكبر فرصة لتعقب الخاطفين عندما ترك أحدهم الخط الهاتفي مفتوحا وقتا كافيا للتتبع، لكن الموظف المسؤول عن رصد المكالمات كان قد أنهى دوامه وغادر. هذا التفصيل الصغير الذي قد يبدو عابرا في أي تحقيق، أصبح لاحقا رمزا للفشل المؤسسي أكثر من كونه سوء حظ عابر. وهو نموذج مصغر لكيفية تحول الإخفاقات الإدارية الصغرى إلى كوارث كبرى عندما تقرأ في سياق أوسع من التوتر السياسي والاحتقان الاجتماعي. وفي صحراء النقب وحاضرة بئر السبع وضواحيها، الفشل موثق بلغة أكثر رسمية وهو ما يمنح المقارنة بعدها المركب. حذر تقرير مراقب الدولة للعام الجاري 2026 من أن “الحوكمة قد انهارت” في صحراء النقب، خصوصا في البلدات البدوية، وأن مراكز الشرطة تعاني نقصا حادا في القوى البشرية يصل إلى 205 ضباط. المراقب كتب أن معالجة “غياب الحوكمة” في الجنوب “قضية استراتيجية ذات تبعات ثقيلة على دولة إسرائيل”، ولاحظ أن الوضع “تفاقم” منذ تقرير سابق للجهة ذاتها قبل خمس سنوات، أي انه ليس أزمة طارئة ولكنه مرض عضال يتفاقم مع الوقت.

انعدام الإرادة؟
يتقاطع النقد القديم مع النقد المعاصر في نقطة واحدة، كلا الحالتين تكشف فجوة بين الخطاب الرسمي عن “الأمن” والواقع الفعلي على الأرض، بين ما تعد به الدولة وما تقدمه فعلا لمن تعتبرهم مواطنين. غير أن ثمة اختلافا حاسما لا ينبغي إغفاله، الفشل الأيرلندي في 1983 كان فشلا تقنيا في لحظة واحدة، وقع في سياق عملية نوعية استثنائية، بينما الفشل في المجتمع العربي بحسب لغة تقرير المراقب نفسه، متراكم عبر سنوات ومرتبط بسياسات موارد وتخصيص ميزانيات وسياسات لا بحادثة عابرة. وهو فشل يتجذر في طريقة توزيع الثروة والخدمات والاهتمام الرسمي بين مختلف مناطق الدولة وفئاتها السكانية، وهذا ما يفسر لماذا لم تنجح الحملات الأمنية المتكررة في اقتلاع الظاهرة، إنما أعادت إنتاجها بأشكال جديدة.

صراع روايات
في الحالة الأيرلندية لم يكن هناك جدل كبير حول من المسؤول عن الاختطاف، وحتى دون اعتراف رسمي من الجيش الجمهوري الأيرلندي، ساد شبه إجماع لاحق عززته شهادات خبراء سابقين ومراسلات داخلية تسربت بعد سنوات، بأن التنظيم وراء العملية وأن الدولة البريطانية-الأيرلندية كانت الطرف “المفعول به” الذي حاول ولم يفلح وسط لعبة إعلامية معقدة بين نفي واعتراف وصمت. كانت الرواية الرئيسية واضحة المعالم، طرف معتد وآخر مدافع مهما تعددت التفاصيل. أما في ملف المجتمع العربي، الرواية أكثر تعقيدا وتشعبا وتتضارب فيها الروايات الرسمية والاجتماعية بشكل حاد، وكأن كل طرف يكتب تاريخا مختلفا لحدث واحد. وتكمن خصوصية الحالة العربية التي تجعلها أكثر إرباكا من سابقتها الأيرلندية. وبحسب الرواية الاسرائيلية الرسمية، يقود الوزير إيتمار بن غفير وقائد الشرطة عملية أمنية موسعة من أجل نبذ العنف والجريمة، ويؤكدان أنها أدت بحسب أرقام الشرطة إلى انخفاض بنسبة 93% في حوادث إطلاق النار بين البدو في النقب، مع اعتقال أكثر من 300 شخص للتحقيق. هذه الأرقام حتى لو كانت دقيقة إحصائيا تبقى جدلية حول دلالتها. هل يعني انخفاض إطلاق النار انحسار العنف فعلا، أم تحوله إلى أشكال أخرى أقل ضجيجا؟ وهل الاعتقالات تعالج الجذور أم تكتفي بقطع الفروع؟ أما رواية المجتمع العربي فإنها تصف هذه العمليات بأنها “مداهمات عشوائية” تتجاوز صلاحيات الشرطة وتستخدم وفق التقارير الصحفية أساليب “شبيهة بالضفة الغربية” ضد مواطنين إسرائيليين. كما انتقد معلقون تقرير مراقب الدولة ذاته من زاوية مختلفة، معتبرين أن وصفه للمجتمع البدوي باعتباره “تهديدا أمنيا” عبر ربط الجريمة بتعدد الزوجات يخلط بين معالجة الجريمة ووصم المجتمع بأكمله، ويسقط في فخ المزاوجة بين الظاهرة الاجتماعية وتداعياتها الأمنية. كما طالب المجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها في النقب بأن تحصل هذه البلدات على “نفس الظروف التي يحصل عليها اليهود في إسرائيل” من خدمات وفرص متكافئة، معتبرا أن معظم الحاجة للتشديد الأمني “ستزول من تلقاء نفسها” عند تحقيق ذلك. لكن، هل الأمن نتيجة للتنمية أم شرط لها؟ وإذا كانت التنمية هي الحل، لماذا تتأخر عقودا عن مواجهة المشكلة؟

سرديات متنازعة
في النقب هناك ثلاثة أطراف على الأقل تتنازع السردية. الدولة بمؤسساتها المتعددة، والشرطة كجهاز تنفيذي له سياساته الخاصة وتوجهاته المستقلة، والمجتمع المحلي الذي ينقسم بدوره بين مطالبة بأمن أكثر صرامة ورفض لأساليب التنفيذ، وبين رؤى مختلفة حول طبيعة المشكلة ذاتها. يعكس صراع السرديات اختلاف المصالح في تصور الدولة ذاتها. هل هي دولة القانون التي ينبغي تفعيل أدواتها، أم دولة التهميش التي ينبغي معارضة سياساتها؟ وما يبقي قضية شيرغار حية بعد أربعة عقود هو غياب الخاتمة. لا جثة ولا اعتراف رسمي دون محاكمة أو حل. هذا الفراغ السردي هو الثقب الأسود في قلب الرواية. ويعاد ملؤه جيلا بعد جيل عبر أفلام ووثائقيات وحتى طرائف شعبية، وكأن غياب الحقيقة يولد أساطير أكثر قوة من حضورها.

جلد الحصان الميت.. مجددا؟
تكشف نظريتا “الحصان الميت” و “جلد الحصان الميت” أن الأزمات لا تموت ما دمنا نصر على إحيائها بالأدوات ذاتها. الأمن المستدام لا يتحقق بالقوة وحدها، كما أن التنمية لا تزدهر في ظل غياب الأمن. وعندما يصبح النقاش العام أسير تكرار الروايات، بدلا من مساءلة السياسات ونتائجها، يتحول الفشل إلى واقع مألوف وتغدو الأزمة جزءا من المشهد اليومي. لذلك لا يتمثل التحدي في ابتكار وسائل جديدة في جلد الحصان الميت، ولكن في امتلاك الشجاعة للاعتراف بموته والبدء في بناء مقاربة جديدة تعالج الأسباب قبل المظاهر. الأزمات لا تدار إلى الأبد، وإنما تطوى عندما تتوافر الإرادة لتغيير قواعد اللعبة، لأن الحياة لا تتسع لركوب حصان مات منذ زمن. وأول خطوة لدفن الحصان هي الاعتراف بأنه مات فعلا، وجلده لم يعد يجدي نفعا، والحياة مهما كانت صعبة، تستحق أن تعاش بعيدا عن التعلق بجثة تحجب الرؤية وتؤخر الخلاص. بدأت في أيرلندا هذه الخطوة باتفاق الجمعة العظيمة، أما في حاضرة بئر السبع وضواحيها لم تبدأ بعد، لكنها ستبدأ يوما ما. لأن الحصان الميت لا يمكن أن يجلد إلى الأبد والحياة بعنادها، تلزمنا بأن ندفن موتانا ونمضي.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.

شارك واتساب تيليغرام

تعقيبات القراء

التعليقات (2)

علّق باسمك. قد يُطلب منك إكمال الدخول قبل النشر.

  • خالد القديري

    مقارنة الحصان الأسطوري بالعنف اللي عنا غريبة شوي، بس فعلاً لما نفكر فيها، هل فقدان الأمن عنا بيأثر على صورتنا وسمعتنا زي ما أثر اختفاء الحصان على أيرلندا؟

  • صبري الرهطاوي

    كلام الكاتب عن الدولة اللي تفقد قبضتها على الأمن بالمناطق المهملة، هذا واقع نعيشه يوميًا للأسف. إحنا اللي ندفع الثمن.

من الكاتب نفسه

مقالات أخرى

صفحة الكاتب