أفضل قهوة هي التي تصادفها دون تخطط مسبق، توقفت في مدينة التلال السبعة بضع ساعات، عقب ورشة حاولت التملص منها مرارا دون جدوى. كان اتجاهي المعتاد شرقا ومحطتي الأخيرة فنجان قهوة قبل الصعود إلى قطار ليوناردو باتجاه مطار فيوميتشينو، أحتسيه وأمضي. لكن هذه المرة فرضت اتجاها معاكسا وفنجانا واحدا كفيلا بفتل الدماغ رأسا على عقب. وبينما القهوة البدوية والتركية على بعد ساعات فقط، وجدت نفسي أمام سؤال أي المسافات تفصل بين فنجانين، وأيهما أعمق في الفصل بين شمال يملك كل شيء وجنوب لا يملك حتى حق السؤال؟ في تلك اللحظة تذكرت أن ثمة غيرة قديمة كتبها شاعر الشباب أحمد رامي لكوكب الشرق أم كلثوم عن نسمة تحسد على قربها من الحبيب وشعرت أن الجنوب يعيش الغيرة ذاتها من مركز يقرّب ويبعد كل شيء عنه. في بلاد “الحياة الحلوة، دولتشي فيتا” المعادلة معروفة ومكررة حتى الملل، شمال صناعي مزدهر تتوق نخبه إلى امتلاك شقة تاريخية فخمة في الجنوب، بينما لا يحلم جنوبي واحد بشقة في الشمال إلا هربا. تتجه الثروة شمالا والحنين يتجه جنوبا، وبينهما اقتصاد كامل يعيد إنتاج الفجوة جيلا بعد جيل. هذه ليست مصادفة جغرافية، إنما قرار سياسي متراكم حيال من يستثمر فيه يزدهر ومن يترك لحاله ينتظر.
مقلوبة القهوة
ينطبق القياس ذاته جنوبنا، بينما تكبر جامعة بئر السبع وتتمدد، تبقى مدن وقرى الجنوب بلا أي إنتاج معرفي يخصها أو يشبهها. المعرفة كما رأس المال تنحاز إلى حيث تستثمر، وعندما يقصى الجنوب عن إنتاج معرفته الخاصة، فهو لا يخسر فقط مقاعد دراسية ولكنه يخسر حقه في التفكير بلسانه لا أن يفكروا نيابة عنه بلسانهم. المفارقة الأكثر إثارة أن بعض أكبر البلديات في البلاد قررت ألا تنتظر مجلس التعليم العالي كي يتذكرها. أوقفت هذه البلديات كل تعاون مع الجامعات إلا بشروطها هي. كلية تابعة للبلدية والجامعة التي تقدم أفضل عرض هي من تفوز بدخول البلدية والعمل مع طلابها وأهلها. هذا ليس تمردا، هو أبسط تعريف للسياسة المحلية الرشيدة. من يريد أن يعمل معنا ليتفاوض معنا أولا وليس فوقنا. كلية طبربا شرق الجليل وكلية عكا غرب الجليل، نموذجان قائمان بالفعل لا افتراض نظري. بلديات نجحت في فرض شروطها وجعل التعليم العالي شريكا محليا لا وصاية مركزية بعيدة. إذا كان النموذج ممكنا هناك فلا مبرر واحدا يجعله مستحيلا في مكان آخر سوى غياب الإرادة أو غياب من يطرقها بذات الإصرار. النموذج في جوهره ليس غائبا عن البلاد كلها ولكنه غائب عن الجنوب تحديدا. الجليل نفسه لم يختزل يوما في مدينة واحدة تحتكر التعليم العالي نيابة عن اللواء كله. عكا في الغرب وطبريا في الشرق، كل منهما محطة معرفية قائمة بذاتها تستجيب لجغرافيا لا تشبه الأخرى واحتياجات لا تتطابق. هذا التوازن الذي بني بهدوء في الجليل، هو بالضبط ما يغيب عن الجنوب عندما يختزل في محور واحد كأن رهط وكسيفة نقطة جغرافية واحدة لا إقليمان بمسافة وهوية وحاجة مختلفة. رهط تمثل غرب النقب والجنوب، وكسيفة تمثل شرقه والمطالبة بالعدل لا تكتمل بمدينة واحدة تمنح الامتياز نيابة عن اللواء، ولكن بشبكة توزع بحسب الخريطة الفعلية للناس، لا بحسب خريطة النسيان التي اعتادت الاكتفاء بنقطة واحدة وتسميها إنصافا.
غرب وشرق
رهط والناصرة وأم الفحم وسخنين، مدن بحجم سكاني وثقل اجتماعي لا يقل عن كثير من المدن التي سبقتها إلى هذا الاستحقاق. لا يمكن ولا يجوز أن تبقى خلف الركب وهي التي تملك من الطاقة الشبابية والحاجة الفعلية ما يفوق كثيرا مما تملكه بلديات سبقتها للتفاوض. الانتظار هو شكل آخر من أشكال الإقصاء الصامت. صحيح أن مجلس التعليم العالي صارم جدا في معاييره وهذا في أصله أمر محمود. لكن الصرامة التي لا تقف على مسافة واحدة من الجميع ليست صرامة إنما انتقاء. وإن كانت المعايير كفيلة بأن تفتح الباب أمام عكا وطبربا، فهي كفيلة بأن تطبق بالعدل نفسه على من يطرق الباب اليوم من الجنوب. المعيار الواحد هو الاختبار الحقيقي لنزاهة أي مؤسسة تدعي المهنية، كما يحق لبلدة كسيفة أن تحلم بكلية تابعة لمجلسها المحلي، حتى وإن كانت الرياضة اليوم هي أكثر ما يشغل شبابها. هذا ليس تناقضا ولكنه فرصة. لدينا من الكليات والمعاهد والجامعات العريقة في البلاد وحول العالم ما يكفي لأن يكون شباب كسيفة، وغيرها من بلدات الجنوب في صدارة الألعاب الأولمبية. الرياضة والمعرفة لا تتنافسان، وتحتاجان البنية ذاتها، مؤسسة تستثمر فيهما معا بدل أن تتركهما لحظهما. وعندما يصل الطالب العربي إلى الأكاديمية اليهودية لا ينتظره نفس الباب المفتوح بالتساوي ولكنه نفس الميزان المزدوج. وجاء الكشف الأخير في تقرير مركز “عدالة” القانوني الذي أظهر أن ثلاثة من كل أربعة إجراءات تأديبية في الجامعات فتحت ضد طالبات عربيات، بينما الطالبة اليهودية تتمتع بحماية دستورية تبقي رأيها خارج الحرم بعيدا عن طاولة المحاسبة، بينما يطالب الجامعي العربي بإثبات براءته وولائه على آراء عبر عنها خارج السياق الأكاديمي تماما. هذه ليست مؤسسة تعلم إنما مؤسسة تراقب بمعيارين. حرية لمن يشبهها ومحاكمة لمن لا يشبهها. وأي جامعة تدعي الحياد وهي تحصي أنفاس طلابها بحسب هويتهم لا تستحق ثقة الجنوب الذي يرسل إليها أبناءه كل عام وتدفع مقابل ذلك ملايين الشواقل. وإذا كانت الجامعة تكشف كيف يعامل الطالب العربي وهو داخلها، فإن اختبار بيزا الدولي يكشف كيف تعامل المدرسة قبل أن يصل إليها أصلا. نتائج 2025 المعلنة رسميا مطلع أيلول/سبتمبر 2026 الجاري تظهر أدنى مستوى تاريخي في القراءة، وتراجعا يوازي عامين دراسيين كاملين في فهم النصوص، وقرابة نصف الطلاب لم يبلغوا الحد الأساسي في الرياضيات. هذا انهيار قومي عام، لا جنوبي فقط لكن الفجوة التي كانت قائمة قبل الانهيار لا تمحى ولكنها تتعمق أكثر. وعندما يغرق الجميع، يغرق من كان أضعف أولا. وأي نقاش تربوي جاد بعد اختبار بيزا لا يضع الجنوب في صدارة أولوياته هو نقاش يدير ظهره لمن يحتاجه أكثر من غيره.
صندق السبع
بين كل هذا، يقترب صندوق الاقتراع من يوم الاستحقاق الديمقراطي. يوم الثلاثاء 27/10/2026 موعد الانتخابات التشريعية. والمفارقة التي تستحق التوقف عندها أن المشاركة العربية تنعكس تماما كلما ابتعدت عن الانتخابات المحلية واقتربت من الانتخابات التشريعية، حيث تتجاوز المشاركة المحلية 90% في بعض البلدات وتهبط إلى ما دون النصف على مستوى انتخابات الكنيست. هذا ليس عزوفا عن السياسة، هو حكم واضح على من لا يشعر أن الساحة القطرية تخصه أو تصغي إليه. صندوق قريب لا يعني صوتا مسموعا تلقائيا. كل أزمة لها تاريخ صلاحية ينتهي في اليوم الذي يليها، السؤال ليس في تشخيص الفجوة المعروفة منذ عقود بين الشمال والجنوب في الجامعة والمدرسة وصندوق الاقتراع. هل ندخل الغد بأدوات الأمس ذاتها؟ أم أن بلدية تتفاوض وكلية تبنى ومعيارا واحدا يطبق على الجميع كافية لأن تصنع غدا مختلفا؟ يطلب الجنوب العدل نفسه الذي يمنح لغيره دون سؤال. وأعود إلى فنجان القهوة الذي قلب رأسي في بلاد تضم أكثر من 35 مليون قطعة فنية وأثرية فريدة من نوعها. المسافة بين فنجانين ليست أبعد من المسافة بين مركز يستمع إليه وجنوب لا يزال كنسمة أحمد رامي يغار من قرب لم يمنح له بعد. لكن أي غيرة هذه التي نتحدث عنها؟ هل نكتفي بالانتظار حتى يتحقق المراد وتهدأ الغيرة من تلقاء نفسها كأن الزمن وحده كفيل بالإنصاف؟ الغيرة التي لا تتحول إلى فعل تتحول آجلا أو عاجلا إلى رثاء. هل نريد أن يتحول الجنوب إلى نسخة مفرغة من الشمال الذي غرنا منه قرى أشباح مهجرة أو مهجورة، كحال تل الملح وعشرات القرى في جنوب إيطاليا التي لم يبق فيها غير المفاتيح المعلقة على الأبواب الفارغة وحجارة لا يسكنها أحد؟ إن كان هذا هو الثمن فإنها بالتالي هزيمة ترتدي ثوب الانتصار. الغيرة الحقيقية لا تتمنى مكان الآخر ولكنها تطالب بألا يفرغ مكانها هي، لا جامعة تبنى لتهاجر لاحقا ولا كلية تفتتح لتغلق عندما يرحل أهلها بحثا عن عدل لم يجدوه في دارهم. عندها تتوقف الغيرة من كونها شعورا يروى وتصبح فعلا يطالب به ويبقى الجنوب معمورا بأهله لا موحشا بذكراهم.
والله صدق الكاتب لما قال إن الجنوب بخسر حقه بالتفكير بلسانه، هاد إشي بنحس فيه كل يوم. كأنو كل شي لازم يمر من المركز وبعدين يوصلنا، ومحتاجين نلاقي حلول محلية زي ما صار بالجليل.
صحيح كلام الكاتب عن الفجوة بين الشمال والجنوب، بس ليش البلديات عندنا بالجنوب ما بتشوف نموذج طبريا وعكا وتطبقه؟ معقول ما في إرادة حقيقية ولا إحنا بنستنى المركز يعملنا كل شي؟