تجربة الروحة وتغريبة بئر السبع: خيمة رهط واختبار التفاوض

كتابة وتصوير
كايد توفيق أبو الطيف — موقع جنوب

اختتمت خيمة السلم الأهلي والدفاع عن حق الأرض والمسكن في رهط أسبوعها بمداخلة للدكتور جمال زحالقة رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل، حاول فيها تأطير طبيعة العلاقة بين الجماهير العربية ومؤسسات الدولة الرسمية. وانطلق زحالقة من فكرة مفادها أن هذه الجماهير لا تسعى إلى المواجهة لذاتها وإنما تراهن على العمل المنظم والتفاوض الجاد وسيلة لانتزاع الحقوق. واستحضر تجربة لجنة مفاوضات ضمت خبراء من مجالات متعددة جلست إلى طاولة الحوار مع المؤسسات الرسمية وتمكنت من تحقيق نتائج تجاوزت ما كان متوقعا. وهذه المقاربة على وجاهتها، تستدعي قراءة تتجاوز الاحتفاء بالنتائج إلى مساءلة الشروط التي جعلت تلك النتائج ممكنة والكلفة التي رافقتها، والفارق الجوهري بين التفاوض بوصفه أداة تمارس من موقع قوة جماعية، وبين التفاوض الذي يطرح بوصفه غطاء لإضفاء الشرعية على قرارات أنجزت مسبقا. ومن هذا المنطلق لم يكن قرار لجنة المتابعة برفض المخطط الذي عرضه الوزير عميحاي شيكلي (44 عاما) على أهالي ديرة بئر السبع رفضا للحوار في حد ذاته، وإنما رفضا لصيغة حوار صممت لإنتاج نتيجة محددة مسبقا، من خلال مخطط فرض من طرف واحد دون مشاركة فعلية لأصحاب الأرض في صياغته. ويكمن الفارق الحاسم بين مخطط يبنى على الشراكة والتفاوض المتكافئ، ومخطط يملى على السكان ثم يطلب منهم التفاوض حول تفاصيله. الأول يعكس تفاوضا حقيقيا، أما الثاني فلا يتجاوز كونه آلية لإضفاء الشروعية على قرار جاهز وهو ما يصعب قبوله من أي مجتمع يسعى إلى صون حقوقه وكرامته الجماعية.

نموذج مختلف
لفهم تجربة الروحة، لا بد من العودة إلى بدايتها. في 18 أيار/مايو 1998 أصدر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أمرا عسكريا بإغلاق مساحات واسعة من أراضي الروحة الواقعة شمال قرى وادي عارة، ضمن قضاء أم الفحم تمهيدا لتحويلها إلى منطقة تدريب عسكري، بالتوازي مع مخطط استهدف مصادرة آلاف الدونمات لإقامة بلدة يهودية. كشف هذا القرار بصيغته الأمنية نمطا متكررا في إدارة الصراع على الأرض، يتمثل في توظيف الخطاب الأمني غطاء لمسار تخطيطي وديموغرافي، بما ينقل النقاش من دائرة حقوق الملكية والتخطيط إلى دائرة الضرورات الأمنية، وهي دائرة يصعب الطعن فيها داخل الحيز العام. وقد تكرر هذا النموذج لاحقا في ملفات متعددة من بينها قضايا القرى البدوية مسلوبة الاعتراف في النقب. وفي 27 أيلول/سبتمبر 1998 دارت احتجاجات واسعة شارك فيها أصحاب الأراضي وسكان أم الفحم ووادي عارة، وأُسست اللجنة الشعبية للدفاع عن أراضي الروحة، حاملة مطالب واضحة تمثلت في إلغاء الأوامر العسكرية بالكامل، وضم الأراضي المهددة بالمصادرة إلى مناطق نفوذ البلدات العربية. ولا يمكن تفسير نجاح هذه التجربة بعامل واحد، وإنما بتلاقي ثلاثة عناصر في لحظة واحدة. حراك شعبي واسع تجاوز حدود القرية الواحدة، ومسار قانوني منظم استند إلى ثغرات في صياغة الأوامر العسكرية، وسياق سياسي جعل الحكومة آنذاك أقل استعدادا لتحمل كلفة مواجهة مفتوحة مع المجتمع العربي.

حدود واضحة
أفضى هذا المسار إلى توقيع اتفاقية رسمية بين وزارة الأمن الإسرائيلية واللجنة الشعبية في وادي عارة، ألغيت بموجبها الأوامر العسكرية، وضم نحو 20 ألف دونم من أصل قرابة 28 ألفا كانت مهددة بالمصادرة إلى مناطق نفوذ البلدات العربية. ولم يتوقف الحراك عند تلك المحطة. في فعاليات يوم الأرض عام 2018 دعت لجنة المتابعة إلى “مسيرة الروحة” احتجاجا على مشروع مد خط كهرباء ذي ضغط عال فوق نحو 8000 دونم من الأراضي التي استعيدت بالنضال الشعبي. واستمر المسار القانوني والجماهيري 7 سنوات، وانتهى بتعديل نحو 80% من مسار الخط، بما عكس قدرة الفعل الشعبي المنظم على تحقيق نتائج تراكمية، وإن بقيت ضمن حدود ميزان القوى القائم.

خيمة رهط واختبار التطبيق
جاءت خيمة السلم الأهلي والدفاع عن حق الأرض والمسكن في رهط لتؤكد أن قضايا الأرض والتخطيط والسكن والسلم الأهلي ليست ملفات محلية معزولة، وإنما قضايا جامعة تمتد من صحراء النقب إلى المثلث والجليل والمدن الساحلية. وتناولت فعاليات الخيمة قضايا التخطيط، ومعاناة القرى مسلوبة الاعتراف، ودور مؤسسات المجتمع المدني في الدفاع عن الحقوق. وشارك في الأمسية الختامية، إلى جانب الدكتور جمال زحالقة، عضو الكنيست الدكتور منصور عباس، ووفد من اللجنة الشعبية في مدينة اللد برئاسة المحامي خالد الزبارقة. وفي مجمل المداخلات برزت إشكالية تتكرر في معظم المحطات، وهي الفجوة بين الخطاب الوحدوي الذي يربط قضايا الجنوب والجليل والمثلث ضمن إطار واحد، وبين واقع العمل الميداني الذي يبقى في كثير من الأحيان موزعا على حراك محلي متفرق، يختلف في توقيته وأدواته وتحالفاته. ويشير ذلك إلى أن وحدة الخطاب على أهميتها لا تكفي لإنتاج فعل جماعي مستدام، ما لم تترجم إلى أطر تنسيق دائمة تمتلك القدرة على التخطيط وتبادل الخبرات وتوحيد الأولويات.

التفاوض أداة وليس غاية
تقدم تجربة الروحة الممتدة من 1998 إلى النقاشات التي احتضنتها خيمة رهط 2026، درسا يتجاوز حدود الحدث نفسه. أثبتت الجماهير العربية خلال عقود أنها لا تتبنى موقفا عدائيا مسبقا تجاه مؤسسات الدولة، كما أنها لم تغلق باب التفاوض يوما، متى توفرت له شروط الحد الأدنى من التكافؤ. غير أن هذه التجربة تؤكد أيضا أن التفاوض لا يكتسب قيمته من انعقاده، وإنما من شروطه وميزان القوى الذي يحكمه. التفاوض الذي يقوم على المشاركة الحقيقية في صناعة القرار يختلف جذريا عن تفاوض شكلي يراد منه تمرير قرارات اتخذت مسبقا، ثم إكسابها شرعية لاحقة تحت عنوان الحوار. وهذا ما يكتسب رفض لجنة المتابعة للمخطط المطروح في قضاء بئر السبع دلالته السياسية، بوصفه رفضا لصيغة تفاوض لا تتوافر فيها مقومات الشراكة الفعلية وليس رفضا لمبدأ الحوار ذاته.
وفي المحصلة يبقى الدفاع عن الأرض والمسكن إلى جانب ترسيخ السلم الأهلي، في مسؤولية جماعية تتقاسمها اللجان الشعبية، ومؤسسات المجتمع المدني والهيئات والمبادرات المحلية. ولا يكتمل هذا الدور بجهد أي طرف منفرد. وإذا كانت اللجنة الشعبية في رهط قد أكدت أن الخيمة ليست نهاية المسار، فإن التحدي الحقيقي يبدأ بعد إسدال الستار على الفعاليات، عبر مراجعة للتجربة المتراكمة واستخلاص دروسها وبناء برامج عمل واضحة على المستويين المحلي والقطري، بما يسمح بالانتقال من الخطاب إلى الفعل، ومن ردود الأفعال إلى المبادرات المنظمة القادرة على التأثير في الواقع.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.

تعقيبات القراء

1

شاركنا تعقيبك ثم اضغط «انشر».

  • أحمد

    كلام الدكتور زحالقة عن التفاوض مهم، بس المقال بوضح نقطة جوهرية: هل هو تفاوض حقيقي ولا بس محاولة لإضفاء شرعية على قرارات جاهزة؟ هذا الفرق هو اللي لازم نركز عليه.

اكتشاف المزيد من جنوب - وكالة اخبار رهط والنقب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة