هل تفكر بلغتك؟ ماذا بعد التصورات المستقبلية

هل تفكر بلغتك؟ ماذا بعد التصورات المستقبلية

هل تفكر بلغتك؟ ماذا بعد التصورات المستقبلية
كتابة وتصوير: كايد توفيق أبو الطيف

أصدر عميد الأدب العربي، طه حسين روايته “أديب” عام 1935، التي تجمع سيرة الكاتب الذاتية وحكاية بطلها في عمل أدبي قائم على استشراف المستقبل ومحاولة رسم رؤية استباقية له. بطلها شاب مفتون بالأدب يغادر القاهرة إلى باريس، ويتشتت عندما يصطدم كيانه الشرقي بالعالم الغربي الذي قصده. يتناوب السرد بين الكاتب والبطل، والكاتب هو الصوت العاقل الذي يحلل ويراقب. وفي الرواية إدانة لجيل من الشباب الذين ذهبوا إلى أوروبا طلبا للعلم وانبهروا بها وانتهى أديب مأساة لرجل كرس عمره للأدب. وأخطر ما في مأساته أنها لم تنذر بقدوم الكارثة، تجسد ذلك ضمن خلل صامت يسير فيه صاحبه إلى نهايته وهو يظن أنه يتقدم. وبعد 90 عاما نقرأ المأساة بوجه آخر. أديب ذهب لإنتاج معرفة بعيدا عن بيته ولم يجد جسرا يعود به إلى نفسه. أما نحن أنتجنا المعرفة في بيتنا ثم تركناها بعيدة عن حياتنا، الاتجاه مختلف والقطيعة واحدة.

وثائقنا المؤجلة
بين شتاء 2006 وربيع 2007، صدرت عن مؤسسات عربية وازنة بإشراف لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، أربع وثائق حاولت صياغة رؤية المجتمع لمكانته ومستقبله وعلاقته بالدولة. “التصور المستقبلي للعرب الفلسطينيين في إسرائيل” عن اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، و”دستور متساو للجميع” عن مركز مساواة، و”الدستور الديمقراطي” عن مركز عدالة، و”وثيقة حيفا” عن مدى الكرمل. وبعد قرابة عقدين يبقى السؤال عن مصيرها أشد إلحاحا من السؤال عن أهميتها. لم تختف فقد بقيت موضوعا للبحث والتوثيق، لكن حضورها في الأكاديميا لا يعني حضورها في الوعي العام. أنتجنا نصوصا واسعة الطموح، ولم نصلح الطريق بينها وبين حياة الناس. كانت هذه الوثائق أفعالا لغوية وسياسية معا واختيار تسمية “التصور” و”الدستور” و”الوثيقة”، كان تعريفا للذات وتحديدا لموقعها في المجال العام، واللغة هي التي تشكل طريقة الفهم وتحدد المفاهيم التي نطالب بها بحقوقنا. لكن هل نفكر بلغتنا أم نتكلم بمفاهيم صاغها غيرنا ليحدد موقعنا؟

رواية بلا بطل
تظهر المفارقة مع “أديب”، الشخصية عالقة في الرواية إلى جانب بطل منهار يحلل، أما في حالتنا الراوي موجود. نخبة قانونية وسياسية كتبت بلغة تخاطب المؤسسات والباحثين وأصحاب القرار. وهذه لغة ضرورية لقضايا الحقوق والمكانة الدستورية. لكنها تصبح عائقا عندما تكون وحدها، أما البطل كعادته غاب عن الصفحة. الأم المثقلة بأعباء المصاريف والشاب الباحث عن عمل وصاحب المصلحة التجارية لا يطلبون التخلي عن الأسئلة الكبرى ولكن معرفة صلتها مع يومهم. ماذا تعني المساواة في المدرسة؟ كيف تنعكس على التخطيط والبناء والمواصلات والخدمات؟ عندما تغيب الإجابة، تصبح الرؤية مرجعا محفوظا، ويعود الخطاب إلى شعارات موسمية رنانة تدغدغ المشاعر وتستحضر للتعبئة وتتراجع بعدها أسرع مما كنا نتوقع. الأرقام تشهد على ذلك، في انتخابات الكنيست 2022 بلغت مشاركة الناخبين العرب 53.2%، أي أن نحو نصف أصحاب الحق بالاقتراع لم يصلوا إلى الصندوق. وبلغت المشاركة ذروتها عند 64.8% عام 2020، المزاج الانتخابي يتقلب مع إحساس الناس بجدوى الصوت. وفي المقابل تسجل الانتخابات المحلية في البلدات العربية مشاركة أعلى منها في البلدات اليهودية وأعلى من المشاركة العربية في انتخابات الكنيست. لا يمتنع الناس عن السياسة ولكنهم ينفرون من السياسة التي لا يرون صلتها بحياتهم. يذهبون إلى صندوق المجلس المحلي لأن المدرسة والشارع والحارة هناك، ويتقاعسون عن صندوق الكنيست لأن القرارات الكبرى تبدو بعيدة. وهذا الفصل وهم، يعمل المجلس المحلي ضمن حدود تضعها الحكومة والتشريع. طه حسين لم يحمل الغرب وحده مأساة أديب، إنما جعل ضعف الذات شريكا في السقوط. الدولة مسؤولة عن السياسات والموارد ومدى تحقق المساواة الفعلية في الحقوق والفرص. إلا أن هذا لا يفسر ما جرى داخل مؤسساتنا، ولا يعفينا من السؤال. ماذا فعلت الهيئات والسلطات المحلية ومؤسسات المجتمع المدني لتجعل هذه الرؤى جزءا من النقاش العام؟ أين آليات المتابعة ومؤشرات التقدم والمساءلة عن الوعود؟ ربما كان أصعب الاعتراف أننا نجحنا في إنتاج المعرفة أكثر مما نجحنا في بناء الجسور إليها. وهذا ليس حكما على تجربة جيل كامل، ولكنه سؤال يفتح الباب على العمل وليس اغلاقه على جلد الذات.

رهط الاختبار
تبرز رهط، وهي مدينة تواجه تحديات التخطيط والبنية التحتية والخدمات وفرص العمل في واقع لا تملك وحدها أدوات تغييره. إلا أن قيمتها تتشكل في اختبارها فكرة تحويل الرؤية السياسية إلى ممارسة محلية قابلة للقياس. وإن نجحت هذه التجربة لن يكون نجاحها حلا شاملا إنما تجربة تدرس وتطور. أما الاكتفاء بالوصف لن يغير كثيرا في حياة الناس. الرؤية التي تجهل حدود الإمكان تصبح وعدا مؤجلا، والتي تستسلم للواقع تفقد قدرتها على تغييره. وبين الوهم والاستسلام تقع مساحة العمل العام المتمثل في أهداف واضحة ومسؤوليات محددة وخطوات يمكن التحقق منها. حدود هذه الوثائق لا تقاس بما كتب فيها، ولكن بما يحدث عندما تخرج من رفوف المكتبات للنقاش العام والعمل. لا نحتاج في البداية إلى مؤتمر جديد أو إعلان كبير، نرغب بفعل واضح وقابل للتكرار. لم يمت أديب لطلبه المعرفة، جاء موته لأنه عاد بلا جسر إلى نفسه وأهله. وعندما كتب طه حسين مأساته ليقرأها من بعده لا ليبكوا عليه، نحن اليوم في الموقع نفسه نملك المعرفة ولا نملك الجسر.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.

شارك واتساب تيليغرام

تعقيبات القراء

التعليقات (1)

علّق باسمك. قد يُطلب منك إكمال الدخول قبل النشر.

  • خالد القديري

    كلام الكاتب عن الوثائق اللي ما وصلت للناس العاديين صح ومهم. كيف ممكن نخلي هاي “التصورات المستقبلية” توصل للأم اللي بتفكر بالمصاريف والشاب اللي بدور على شغل؟ شو الحل يعني؟

من الكاتب نفسه

مقالات أخرى

صفحة الكاتب