تشرينية الكلالة
كتابة وتصوير: كايد توفيق أبو الطيف
يغرق في إحساس حاد بأنه ممر لا مستقر، تشبه أيامه بعضها في حزنها وفرحها وتمر كلها ولا تترك أثرا. أمضى سنين يحاول أن يكون رقما مميزا وانتهى رقما بين أرقام. وكل مرة عاد بالنتيجة ذاتها، صفر كبير بلا معنى. هكذا تفرض الكلالة حقيقتها، انقطع خطه ولم يبق له سوى شظايا من خطوط تتقاسم معه ما تبقى من تشرين، وهل تكفي الخطوط وحدها لإعمار بيت؟
أكتاف
قبل شروق الشمس كانت حنان قد أنجزت ما لا يراه أحد. في الليل اتصلت بإخوتها وقالت لهم الجملة ذاتها “تعالوا وكونوا معي، ولا تحملوا شيئا معكم”. لم يكن في صوتها رجاء، أرادت سندا من الحضور وحده، فلا يقوم بيتها على أيد تتصدق عليه، ولا يصبح ركامه حكاية تروى في بيوت الآخرين. جاؤوا مع الفجر ويتقدمهم أبوها سليمان، الذي ترك علاقاته الممتدة من القدس إلى إسطنبول وتبليسي ووقف بين ألواح الصفيح، رجلا لا يعرف أين يضع يديه. لم يحمل أحد منهم شيئا غير ما تحمله الأكتاف. حنان ابنة المدينة، تقرأ الرجال والنساء من نظرة واحدة وتعرف ما يقال وما يسكت عنه. عندما تقدم إليها جاسم سألها أبوها إن كانت تدرك ما معنى أن تنتقل إلى قرية لا تعترف بها الدولة، وتقضي عمرها بين الهدم والبناء والركام. كانت تدرك ذلك ووالدها رجل أعمال يتودد إليه الجميع، وكل صديق له ينوي أداء الحج أو مناسك العمرة يعرف أن عنده مفتاح شقة مفروشة في القدس الشريف ومكة المكرمة والمدينة المنورة، اختارت القرية على الشقق المفروشة وتخلت عن كل شيء لأجل جاسم.
غياب
لكن الهدم لا يصيب الجدران وحدها، وقفت حنان عند العتبة تنظر إلى الساحة المفتوحة وعادت إليها أسئلة تؤجلها منذ أسابيع. لماذا تغير جاسم؟ يحدثها وعيناه في الهاتف أو الحاسوب، جسده في الغرفة وذهنه في مكان آخر. كان يدللها وخصوصا أسبوع تلك الأيام، يحضر لها الحلوى والشوكولاتة وأجمل الثياب ويعرف أن تعبها يريد حنانا لا كلاما. ويناديها “أم سعدي وسعادي وسعادتي”، وتحب ذلك لأن الاسم كان طريقتها لتبقى في رأسه مهما ساءت الأيام. اليوم تقضي نهايات الأسبوع وحدها مع سعيد وسعاد، بينما يخرج مع أصدقاء لم تسمع منه أسماءهم أبدا. والاتفاق بينهما أنه كلما غير كلمة سر هاتفه أخبرها. هل غيرها ولم يقل؟ وهل وقع في حب جديد وهي لا تدري؟ هل هي فتاة من المدينة التي تركتها حنان من أجل شظف القرية؟ وأوجعها أكثر أن رسالته الصباحية “صباح الخير حناني وفيض أماني” توقفت، كانت سعادة صغيرة تملأ يومها دون ضجيج.
رابعة
في الرابعة فجرا والحي نائم، يجلس جاسم أمام الحاسوب وإلى جانبه كوب شاي بارد. يكتب فصلا عن “رأس المال الاجتماعي” لطالب في معهد لن يلتقيه أبدا ويقول لنفسه ما يقوله كل ليلة. كسالى يدفعون مالا وفيرا ليكتب غيرهم عنهم. ويعرف أنهم ليسوا كسالى والكسل الوحيد في هذه الغرفة كان كسله هو، يوم كفل أعز أصدقائه عند عصابة إجرام ولم يتخيل أن الأمر سيصل إلى وصل إليه الآن. صديقه لن يسدد وهرب إلى الخارج ولا أحد يعرف أين اختفت آثاره. والديون تزداد وإن لم يدفع ثمنه سيكون من دمه ومن دم أعز الناس إليه، زوجته وأبنائه وأمه. لهذا غير كلمة السر وكف عن “صباح الخير حناني وفيض أماني”، استحى أن يكتب فيضا لا يملكه. وأمامه خياران أن يخبر حنان ويساعده أبوها ويخسر صورته أمامها وأمام نفسه، أو أن يشيع أسرته واحدا بعد آخر في جنازات هو سببها.
إصغاء
وبخت حنان نفسها وهي معلمة رياض أطفال، وأحب القصص إلى قلبها وقلوب أطفالها “لا تقلق يا بابا” رائعة الكاتبة تغريد النجار. وها هي تطمئن زوجها بالقصص وفي بالها أن تفتش هاتفه وتخجل من هذا الشك في يوم تنهار فيه الجدران. بينما افكارها لا تعرف الهدوء، تقول في نفسها إن جاسم لم يتغير إلا لأن الأرض تهتز تحت قدميه. رجل تعلم منذ صغره أن يكون الصامد، ويصمت عندما يثقل الحمل ويصلح الضرر بيديه لأن الكلام أصعب عليه من تركيب سخان. إلا انها ترفض أن يصبح تعبه ذريعة تسقط حقها أن ترى ويسأل عنها، فهي لم تأت إلى هذا الحي لتنتظر في طرف حياته. رجل مثقل وامرأة تعبت من التفهم، في واقع تعلم فيه الرجل ألا يشكو والمرأة ألا تسأل.
صباح الخير
ولا بيت في الحي يعرف سر جاره، لهذا تكون الجرافات أخف على من له إخوة يأتون بلا حمل، وأثقل على من يبقى وحده مع ما يخفيه. ولو كان لجاسم من يسأله في الرابعة فجرا “ما بك؟” ربما اختلف كل شيء. وما يصح على الحي يصح كذلك على سائر البلاد. في المستشفى يبدأ الدوام قبل أن تستيقظ المدينة. طبيب عربي يمر على مريض، وممرضة يهودية تراجع ملفا، وعامل نظافة يعبر الممر بهدوء، ورجل مسن ينتظر دوره أمام العيادة. لا أحد يسأل أحدا عن صوته في الانتخابات. هناك عمل ينبغي انجازه وحياة يجب أن ترعى. وفي الجامعة يتبادل الطلاب الملاحظات قبل الامتحان، وفي الجوار تختلف لغات الناس وطرائقهم في القهوة والاحتفال وتتشابه همومهم. هذه هي حياتنا اليومية المشتركة ولا غنى عنها. غير أنها لا تتحول من تلقاء نفسها إلى مساواة كاملة. الشراكة بنظره لا تقاس بعدد الصور التي تجمع أصحابها ولا بما يقال في المناسبات، وإنما بما يصل إلى بيوت الناس أثناء الطريق الذي يبلغ بابها والمدرسة التي تتحسن، والحق الذي لا يضطرون إلى المطالبة به في كل مرة. وبين ممر المستشفى وقرية تهدم بيوتها. جلست حنان على العتبة وكفاها مضمومتان على ركبتيها. في ركن الساحة وقف السخان الشمسي على قاعدته المعدنية يلمع تحت شمس تشرين الأول، سليما قويا ينتظر ماء الغد. وبقي في نفسها سؤال لم تسأله، وفي صميمه جواب لم يقله. ثم رن الهاتف “زوجك إن لم يدفع أربعة ملايين، سيعود إليك في كفن”. أغلق الخط قبل أن تجد صوتها وبقيت الشاشة مضيئة في كفها لحظة ثم انطفأت. نظرت إلى السخان الذي ما زال يلمع بين الصفيح والركام، أدركت حنان سبب تغير كلمة السر، ولماذا لم يعد جاسم يكتب لها “صباح الخير”.
قضية حنان وتضحيتها عشان جاسم والعيش بقرية مش معترف فيها، بتوجّع القلب والله. قدّيش في حريم بتضحي هيك وبتتحمل كل هالصعوبات عشان بيتها؟