فاتورة الطمأنينة
كتابة وتصوير: كايد توفيق أبو الطيف
بعد ثلاث سنوات على السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لا يزال ذلك اليوم يرتب الواقع من حولنا، حتى عندما تبدو الحياة عادت إلى مجراها. لقد غيرت الحرب جدول الأعمال العام ومعها التفاصيل الصغيرة التي لا تصل للعناوين الرئيسية. روتينا اختل وعلاقات انقطعت وحاجات تضاعفت أو تبدلت طبيعتها. وهذا لا يخص جهة واحدة، يمتد الأثر على كل جغرافيا الحرب. تقول التجارب إن الأذى النفسي يتأخر في الظهور، وبعض الأعراض لا تعلن عن نفسها إلا بعد سنوات، وإن أحدا لا يملك رقما موثوقا لحجمه والتعافي لا يسير في خط مستقيم. يقف الشخص على قدميه يوم الأحد وينهار يوم الأربعاء، وقد يعيش الاثنين في أسبوع واحد. يبدأ الامتحان الفعلي للدولة وللمجتمع بعد أن تنطفئ الكاميرات. من يمول الرعاية عندما تنتهي الحاجة إلى الصور؟ ومن يبقى إلى جانب المتضررين حين يصبح الحديث عنهم مملا؟
مصادفة موجعة
صدرت في نيسان/أبريل 1951 رواية “الملتزم” لألبرتو مورافيا، وفي السابع من تشرين الأول/أكتوبر 1970، عرض فيلم برناردو برتولوتشي المأخوذ عنها. تمر اليوم 75 عاما على الرواية وثلاثة أعوام على ذلك اليوم الآخر. المصادفة لا تصنع تشابها تاما ولا أطلب من عمل إيطالي عن الفاشية أن يفسر ما جرى عندنا. لكن كيف يشارك إنسان عادي في نظام أو عنف أو إقصاء ثم ينام مطمئنا؟ مارتشيلو في رواية مورافيا لا يشتهي السلطة ولا يكره أحدا. يشتهي أن يكون عاديا يشبه الجميع ولا يلتفت إليه أحد. رغبة كهذه لا تستحق الإدانة في ذاتها، فمن منا لا يريد حياة هادئة وبابا مفتوحا لا يطرقه الخوف؟ لكن مورافيا يريدنا أن نرى المسافة التي تقطعها هذه الرغبة عندما يصبح الخوف من الاختلاف أقوى من القدرة على مراجعة ما ننتمي إليه. ولا يقول إن كل راغب في القبول سيصبح فاشيا، وهو يرى ان الطمأنينة قد تشترى بالضمير، والدوافع المفهومة لا تعفي صاحبها من مسؤولية اختياره.
ذاكرة متوترة
يذهب المخرج برتولوتشي أبعد في اللغة السينمائية ويفتت الزمن ويقطع الاسترجاع، فلا نتلقى ماضي مارتشيلو مرتبا ومريحا، إنما ذاكرة متوترة تعيد تركيب نفسها وهو يمضي إلى فعل لا يفسره الماضي وحده. الطفولة الجريحة، والعلاقة بالأستاذ المعارض الذي يشبه أبا بديلا كلها تساعدنا على الفهم لكنها لا تمحو الفرق بين فهم الجريمة وتبريرها، وهذه ذروة الفيلم. لا يسألنا ماذا فعل البطل فقط، ولكن كيف يصنع الإنسان رواية عن نفسه ويحفظ في ذاكرته منها ما يتيح له الاستمرار. وبعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر أصبح الموقف السياسي في كثير من الأماكن اختبار ولاء لا اجتهادا قابلا للمراجعة. والمشهد مألوف في كل جماعة مع اختلاف الأسماء والرايات. من يحزن على موتى الجانب الآخر يتهم بالخيانة، ومن يسأل عن الوقائع يتهم بالتشكيك في الألم. والخوف ليس دوما جبنا والصمت قد يحمي أطفالا أو رزقا أو رأسا. لكن المجتمعات التي تجعل ثمن الكلمة باهظا ويتعذر بالجماعة عن كل ما فعل، لا يملك أن يتخلى عن حصته من المسؤولية جماعية، شخص يختار بقدر ما يعرف ويقدر، وجماعة تبني مجالا يتسع للاختلاف دون عقوبة.
صندوق الثلاثاء
ندخل الثلاثاء 27 تشرين الأول/أكتوبر موعد انتخابات الكنيست، ومعنا سؤال مارتشيلو. من يدفع ثمن راحتنا؟ وللراحة وجوه، أن نبقى في البيت لأن “لا فائدة”، أو نصوت كما يصوت الجميع كي لا نخسر مكاننا في العائلة، أو نكتفي بشعار موسمي ننساه بعد فرز الأصوات، وفي كل مرة يدفع غيرنا الفاتورة. شاب يبحث عن عمل، وقرية تنتظر الاعتراف والخدمات، وحارة أصبح القتل فيها خبرا عاديا. لا أرى أن الصندوق يحل ذلك كله، الواقع أعقد من كل الأوراق. لكن في انتخابات 2022 لم تتجاوز مشاركة العرب 53.2%، أي أن نصف أصحاب الحق تقريبا تركوا القرار لغيرهم وبقيت الفاتورة على عنوانهم. لقد تمكن مارتشيلو من شراء طمأنينته بالصمت، أما نحن فلا يزال الخيار بأيدينا. أن نبقى مطمئنين أو أن نكون مسؤولين.
فكرة إن الطمأنينة ممكن تنشرا بالضمير نقطة قوية ومهمة للتفكير فيها. المقال بخلّينا نتساءل عن المسافة بين رغبتنا بحياة هادية ومراجعتنا لخياراتنا لما يكون الخوف هو الدافع.
فعلاً، الأذى النفسي بتأخر ظهوره وناس كثير ما بتكون واعية لحجم الضرر إلا بعد سنين. والمقال بيطرح سؤال مهم: مين راح يدعم المتضررين بعد ما الكاميرات تنطفي ويصير الحديث عنهم ممل؟