تشرينية الآحاد
كتابة وتصوير: كايد توفيق أبو الطيف
يقضي جاسم يومه بين تشتت يلاحقه وتركيز لا يجده إلا في المواريث، يفتح هاتفه وتنهال عليه الإشعارات والأخبار والهموم وكلها تأخذ من ذهنه ولا تعطيه شيئا، تتبعثر أفكاره كالشرر المتطاير من الحديد. أما بودكاست علم المواريث فهو الذي يعيد إليه تركيزه، ويصله إشعار فور صدور كل حلقة جديدة، يفتحها كمن يعود إلى طاولة عمله. وعلم الفرائض لا يسمح بالشرود. ستة أنصبة لا غير، هي النصف والربع والثمن، والثلثان والثلث والسدس ولكل نصيب أهله وشروطه. ثم يبدأ الحساب بالبحث عن أقل عدد تنقسم عليه المقامات ويدعى “أصل المسألة”. إذا ترك الميت زوجا وأختين شقيقتين وأما، للزوج النصف وللأختين الثلثان وللأم السدس، وأصل المسألة ستة. ثلاثة وأربعة وواحد والمجموع ثمانية. وتعول المسألة إلى ثمانية ويدخل النقص على كل وارث بالنسبة نفسها. هكذا يصبح الذهن حاضرا، يتجه الانتباه للأرقام والأسهم وتأخذ الكسور مواضعها واحدا بعد آخر، وتجتمع الأفكار على مسألة واحدة تتسع لها الدقائق القليلة المتاحة في استراحة الورشة أو داخل السيارة أمام القاعة. يخرج جاسم من الحلقة وقد استقام ذهنه وهدأ إيقاعه واستعاد قدرته على بقية يومه، وبهذا ينتظم الحضور في رأسه ويعود إليه تركيزه كلما تشتت.
سخان الشمس
لكن هاتفه بقي يهتز هذا الصباح في جيبه، والاسم على الشاشة “حنان بيت”. رفع جاسم رأسه عن الصفيحة المحمرة وسأل نفسه. ماذا تريد في هذه الساعة الباكرة؟ حنان زوجته وتحب أن يناديها “أم سعاد” لأن الاسم يبقيها حاضرة في رأسه مهما ساءت الأيام بينهما، وقد ساءت كثيرا منذ بدأت الجرافات تقترب من الأحياء المحيطة بهم، وأصبح كل اتصال صباحي يحمل احتمال خبر ثقيل. أنزل المطرقة وفتح الخط، وجاءه صوتها غاضبا حادا “لازم يموت واحد حتى ترد على الاتصال!”، ثم انهالت عليه بعبارات يختلط فيها الغضب بالحنين والحب المكسور، كلمات خرجت من قلب أنهكه الانتظار وتحمل سؤالا واحدا. أين كنت؟ ثم أخبرته بأن جرة الغاز تعطلت وتسرب الغاز في الحمام والرائحة تملأ البيت. وقد أغلقت الصمام وفتحت النوافذ والأبواب وتخشى أن ينفجر كل شيء. عرف جاسم أن السرعة هي الجواب، الأولاد سيعودون بعد ساعات من الروضة والمدرسة وعلى الهواء أن يكون نقيا عندما يدخلون. توجه إلى مديره في الورشة وشرح له الأمر في جملتين، وافق المدير فورا، الأمر طارئ والجميع يعرف معنى الغاز في البيت. اتصل جاسم بصديق له في المنطقة الصناعية بعين سارة، وطلب منه سخانا جديدا يصل قبل الظهر. اقترح الصديق سخانا شمسيا يعمل بضوء الشمس وحدها ويوفر على البيت جرة الغاز وخطرها، إلا ان سعره مرتفع يثقل على جيب العامل الأجير لكنه يفي بالغرض وزيادة، ماء ساخن كل صباح وهواء صاف وقلب مطمئن. حسب جاسم المبلغ في رأسه بدقة من يعد يومه بالدقيقة، واختار سلامة بيته على راحة جيبه ودفع الثمن وحمل الصندوق الثقيل إلى السيارة وانطلق نحو البيت على الطريق الترابي.
أربعون إنذارا
عند مدخل الحي رأى أربع سيارات تويوتا هايلوكس بيضاء تغادر واحدة بعد أخرى من النوع الذي يعرفه كل أهل الحي. تباطأ جاسم ونظر إلى الغبار المتصاعد خلفها، وظنها سيارات معزين خارجة من بيت عزاء، تمنى أن يكون صاحب العزاء بعيدا عن بيته ثم أدرك أن العزاء عزاؤه. أوقف سيارته أمام الدار ووجد ورقة الإنذار مثبتة على الباب، وورقة مثلها على باب بيت والدته المجاور وانتشرت الأوراق على أكثر من أربعين بيتا في الحي. قرأ السطور بتأن 48 ساعة وبعدها تسوى البيوت بالأرض. تجمع الجيران في الطريق كل واحد يقف أمام ورقته ويقرؤها بصوت خافت. وبيوتهم من صفيح وألواح، سقف خفيف وأربعة جدران تحمي العائلة من الريح والشمس وهي أقصى ما أتاح لهم الواقع بناءه وقد بنيت بما تسمح به الأوضاع. لكن ما الذي ضاقت به المؤسسة ذرعا اليوم تحديدا؟ ولماذا يأتي القرار الآن، وصناديق الاقتراع تنتظر يوم الثلاثاء؟ دخل جاسم البيت وسكت، حمل الصندوق إلى الحمام وفتح الغلاف ونشر القطع على الأرض بنظام يعرفه من الورشة. بدأ يركب السخان قطعة قطعة بيدين ثابتتين، وقفت حنان خلفه تتابعه، البيت سيهدم بعد يومين وزوجها يركب سخانا جديدا. حاولت أن تفهم هدوءه، ورأت رجلا يختار أن يمسك بما يقدر عليه عندما ينفلت كل شيء آخر. الجرافات خارج يده أما الماء الساخن لأطفاله هذا المساء داخل يده تماما. شد البراغي الأخيرة وانتظر الدقائق الأولى حتى ارتفعت حرارة الماء. وعند عودة الأولاد من الروضة والمدرسة صاحوا فرحين بالماء الدافئ وتسابقوا إلى الحمام. وبقي الخبر في صدور الكبار، جلس جاسم وحنان يستمعان إلى ضحكات الصغار في بيت لا يزال واقفا.
ثقل الجنوب
جاء الباقي سريعا، في صباح اليوم التالي خرج أهل الحي إلى بيوتهم بالمطارق والأيدي العارية، وبدأوا يفككون الصفيح لوحا لوحا قبل أن تصل الجرافات. اختاروا أن يتولوا الأمر بأنفسهم ليوفروا على أصحاب البيوت الغرامة وتكاليف الهدم التي تفرضها السلطة عادة، وحمل كل بيت ما أمكنه حمله. الأبواب والنوافذ والبرادات الصغيرة، وكوموها على الأرض الترابية أمام الدار. وأشعل الرجال النار في الخشب والصفيح الذي لا يصلح لشيء، وارتفع فوق الحي دخان كثيف رآه المسافرون من الطريق إلى بئر السبع، وهكذا استقبل الحي أيام الانتخابات برائحة حريق في الهواء، وبأطفال يلعبون فوق الأرض المفتوحة حيث كانت الجدران، وبنساء يرتبن الأغراض في صفوف منظمة تحت السماء. ويسأل الناس أنفسهم وهم يقفون عند ما تبقى من بيوتهم. هل ستحفظ ذاكرة الأهالي هذه الأحياء كما حفظت الأرض آثار من مروا بها قبلهم؟ والجواب عند أصحاب البيوت أنفسهم، كل شجرة وطريق يعرفونها بأسمائها يروونها لأبنائهم ويحفظونها في صدورهم. وفي الجنوب اليوم ما يشغل الناس بجانب الجرافات، عنف وجريمة يطلبان الشباب ويحتاجان إلى جهد أهل كل حي ليبقوا في صفوف البيوت والعمل والدراسة وهدم متسارع، وما يخفف عن جاسم بعض الثقل أن عشرات الآلاف سيصوتون للمرة الأولى هذا الثلاثاء، وهم شباب يحملون أسئلة جديدة وأصواتا جديدة، وربما كان في أصواتهم بداية جديدة كما في اسم هذا الشهر الذي يعني البدء. أما حنان جلست عند عتبة الدار تنظر للساحة المفتوحة التي كانت بيتا، وكفاها مضمومتان على ركبتيها، وفي ركن الساحة وقف السخان الشمسي على قاعدته المعدنية يلمع تحت شمس تشرين، سليما قويا ينتظر ماء الغد وبيتا جديدا يستقبله.
يا الله، وضع جاسم صعب كثير وهو بين تشتت الحياة اليومية وتهديد الجرافات. بس حلو إنه لاقى شي يركز فيه زي علم المواريث يريحه شوي من كل هالمشاكل.
فكرة السخان الشمسي ممتازة، بترتاح العيلة من خطر الغاز وكل مشاكله. صح سعره غالي شوي، بس على المدى البعيد بتوفر عليهم كثير وتريّح بالهم.