جنوب تشرين

جنوب تشرين

جنوب تشرين
كتابة وتصوير: كايد توفيق أبو الطيف
يقرع المنبه في الرابعة والنصف وينهض جاسم قبل أن يكتمل الرنين. في القرية التي لا تظهر على الخرائط الرسمية يبدأ النهار بالماء، خزان بلاستيكي أسود عند مدخل البيت وماسورة تمتد من الطريق الترابي، وأم سعاد تملأ الدلاء بيد وتسوي قميص سعيد باليد الأخرى. تعمل الألواح الشمسية قبل أن تنكسر العتمة ويفتح الباب على رائحة الأرض الباردة، رائحة الجنوب في تشرين عندما يحمل الفجر برودة تنسى الصيف. بين بيته والمنطقة الصناعية في عين سارة قرابة أربعين دقيقة، تقطعها سيارته على اسفلت مرقع وتراب مضغوط. في السابعة يقف أمام النار في ورشة الحديد، حيث يلوى سيقانا وأوراقا ومجسمات تغرس في المزهريات وتوزع على المشاتل كما حال الواحات على طريق القوافل. يستحدث أصحاب الورشة شكلا جديدا لكل مشتل وموسم، ويعرف جاسم أن يد العامل هي التي تبتكر بينما اسمه يبقى خارج الفاتورة وفي جيبه دفتر صغير يدون فيه ملاحظاته الميدانية بين طرقتين.

مصباح
ست سنوات على هذا الإيقاع، الورشة حتى الثالثة ثم الطريق إلى القاعة وبعدها المحاضرات حتى التاسعة والنصف ثم العودة في العتمة. اجتاز البكالوريوس في العلوم الاجتماعية وهو اليوم في الماجستير يقرأ النظرية النقدية على ضوء مصباح المطبخ. تعلم من دفاتر المنهج أن الدولة ترى الأرض كما تريد رؤيتها، مربعات وأرقام قطع وتصنيفات، وأهل الأرض يرونها كما يعيشونها، ظل شجرة وبئرا وقبرا ودرب الحلال. هذه الفجوة بين الخريطة والسكن موضوع بحثه، وهي أيضا عنوان بيته. وللقراءة عنده نظام صاغته الحاجة قبل الحكمة. في كل أسبوع قائمة مقالات، بعضها إجباري وبعضها اختياري، ويبدأ دوما بالإجباري لأن الاختياري حاشية على نص لا يفهم إلا بعد دخوله. جرب مرة أن يختصر الطريق وسمع على يوتيوب شرحا لأحد المقالات، فإذا الشرح يمتد ساعتين والمقال يقرأ في نصف ساعة. حسبها بهدوء من يعد يومه بالدقيقة، وما يأخذه الشرح يكفي لقراءة المقال أربع مرات. منذ ذلك اليوم يقرأ النص بنفسه، بقلم رصاص ودفتر ويستعين بالشروح عندما يصبح له سؤاله الخاص عن النص. والنصف ساعة يجدها حيث تتسع الأيام الضيقة. عشرون دقيقة في السيارة المركونة أمام القاعة وعشر في استراحة الورشة والباقي بعد العاشرة عندما تنام الدار ويبقى سراج المطبخ وحده مع سعاد المنحنية على واجباتها. يقرأ فقرة ويكتب في الهامش سؤالا ويغلق الدفتر عند الحد الذي تحتمله العين. وفي نهاية الأسبوع يبدل جاسم النار. يسافر إلى يافا ويقف على شواء مطعم في الميناء حيث تأتي الرطوبة من البحر ثقيلة على الجلد في أول المساء، ثم يلين الليل وتصل النسمة محملة بإيقاع الموج على الصخر وتغسل التعب. يقلب السمك على الجمر ويراقب الصيادين يلمون شباكهم، ويفكر أن هذا الميناء عرف بيوتا هدمت وأهلا نقلوا وأسماء غيرت والعجلة عندما تدور على بيت في العجمي تشبه العجلة التي تدور على بيت في صحراء النقب وإن اختلف الحجر والهواء وطريقة الصياغة في الملف. يقرأ في الحارتين نصا واحدا بلغتين، لغة تتحدث عن النظام والترخيص والمصلحة العامة، ولغة تتحدث عن الجدران التي تحفظ ظل العائلة.

حديد
في رأسه موعد لا يعرفه أحد سواه، عندما يبلغ الثلاثين سيغير سيارته وأمامه عامان. يحسب القسط والتأمين والوقود وكم يتحمل الطريق الترابي سيارته الحالية قبل أن تعلن تعبها. وفي الحساب مفارقة يعرفها قارئ دفاتره، الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يملكه بأمان هو الشيء الذي يتحرك. البيت المبني على أرضه تتهدده الجرافات بدعوى البناء غير المرخص، أما سيارة بأربع عجلات فلا تحتاج رخصة بناء ولا يعلق على بابها الإنذار. هكذا يقيس جيله طموحه بما يحمل وينقل، لأن ما ثبت في الأرض معلق بقرار. وفي كل صباح من أيام الأسبوع طقس صغير يحرسه بدقة. بين الورشة وأول مطرقة يمسك هاتفه ويتصل بابنته الصغيرة سعاد. يقول لها إن النهار جميل ومليء بالنشاط والإنجاز، وعليها أن تأكل فطورها كاملا وتحمل حقيبتها بابتسامة. وفي آخر المكالمة بصوت أخفض وبشيء من الحياء، يذكر أم سعاد بأن صباحية جميلة منها لن تضر أبدا. هكذا تسمّي نفسها أم سعاد، تحب الاسم لأنه يحمل وجه ابنتها الأولى وصوتها. في البيت الواحد اسمان بترتيبين مختلفين، وكل منهما شاهد على أن الناس تعرف كيف تسمي نفسها عندما تتولى الأمر بيدها. أم سعاد لا تبعث صباحيات وتحمل الحنان في الفعل، الشاي المضبوط على ذوقه والقميص المكوي والسندويش الملفوف بالورق قبل أن ينتبه إلى جوعه. لكنها تشتهي في سرها كلمة مكتوبة تصل إلى هاتفها في الدقيقة التي يكون فيها الحديد أحمر، كلمة تقول إنها حاضرة في رأسه بين الأدوات والمعادن.

الخميس
مر هذا الخميس في الورشة كأي خميس، لهب وصفائح حديد وشكل جديد على الطاولة، ورقة نبات معدنية تتفتح على طرف اللوح. لكن الصباح حمل عبئا آخر. منذ الفجر كانت الجرافات تتحرك في الجنوب والقرى تتبادل أخبارها بين الهواتف بسرعة الغبار. بيوت تهدم، وحملة انتخابية يرتفع فيها صوت القوة لأنها تجلب الأصوات، وخطاب يقدم الحزم على الهواء الذي يتنفسه الناس. لم يعرف جاسم أي البيوت وقعت هذا الصباح. هاتفه في خزانة الورشة والمطرقة بيده والنار تطلب انتباهه كله. لم يتصل بسعاد ولم يرسل لأم سعاد حرفا. في البيت جلست أم سعاد عند عتبة الدار والشمس تعلو. سمعت اقتراب الجرافات إلى طرف الحارة وعدت الدقائق على أصابعها. أخذت الهاتف مرتين وأعادته مرتين، كان بوسعها أن تتصل وتطمئن لكنها انتظرت رسالته هو، السطر الذي يقول إنه بخير وذهنه عندها.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.

شارك واتساب تيليغرام

تعقيبات القراء

التعليقات (1)

علّق باسمك. قد يُطلب منك إكمال الدخول قبل النشر.

  • أم شاليش

    والله قصة جاسم تحرك القلب، كيف الواحد بيصحى هالصبح وبيشتغل وبيرجع يدرس للماجستير بضو لمبة المطبخ. هذا إصرار ما شاء الله عليه يستاهل كل خير.

من الكاتب نفسه

مقالات أخرى

صفحة الكاتب