القيادة الراشدة: صناعة الرجال قبل صناعة المؤسسات

رؤية
* صِناعة القادة
* سلسلة: “فقه الإصلاح والتغيير”
* هذه المقالة يكتبها د. محمد طلال بدران – مدير دار الإفتاء والبحوث الإسلامية
* عنوان المقالة: (القيادة الراشدة: صناعة الرجال قبل صناعة المؤسسات)
* رقم المقالة في السلسلة: (08)
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد:
* مقدّمة
من الأخطاء التي وقعت فيها كثير من مشاريع الإصلاح أنها انشغلت ببناء المؤسسات قبل بناء الإنسان، وبإقامة الهياكل قبل إعداد القادة، فظهرت مؤسسات ضخمة بأسماء لامعة، لكنها سرعان ما ضعفت أو انهارت عندما غاب عنها الرجال الذين يحملون الرسالة قبل أن يحملوا المناصب. لذلك جاء المنهج الإسلامي ليقرر قاعدةً عظيمة مفادها أن صناعة الإنسان هي الأساس، وأن القيادة الراشدة تبدأ بتكوين الرجال قبل تشييد البنيان.
* الإنسان هو نقطة البداية
لم يبدأ النبي ﷺ دعوته ببناء دولة، ولا بوضع الأنظمة، ولا بإنشاء المؤسسات، وإنما بدأ ببناء الإنسان المؤمن الواعي. فقد مكث في مكة ثلاث عشرة سنة يغرس العقيدة، ويهذب الأخلاق، ويصنع الشخصية القادرة على حمل الأمانة، حتى إذا قامت الدولة في المدينة كان رجالها قد تخرجوا من مدرسة النبوة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة: 2). فبدأت الآية بالتزكية قبل بناء المجتمع؛ لأن المجتمع ليس إلا صورةً لأفراده.
* القائد يصنع الرجال لا الأتباع
القيادة في الإسلام ليست جمع الناس حول الشخص، وإنما إعدادهم ليكونوا قادرين على حمل المسؤولية بعده. ولهذا كان النبي ﷺ يربي أصحابه على المبادرة والاستقلال وتحمل الأمانة، فلم يصنع جيلاً تابعًا، وإنما صنع قادةً فتحوا الأمصار وأقاموا العدل بعد وفاته.
قال ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» (متفق عليه). فالقيادة مسؤولية عامة، وليست امتيازًا لفئة محدودة، وكلما توسعت دائرة تحمل المسؤولية ازداد المجتمع قوةً وثباتًا.
* المؤسسات القوية ثمرة الرجال الأقوياء
قد تُبنى مؤسسة بأفضل الأنظمة، لكنها إذا أُسنِدت إلى أشخاص يفتقدون الأمانة والكفاءة أصبحت عبئًا على المجتمع. أما إذا وُجد الرجال الصادقون فإنهم يستطيعون إحياء مؤسسة ضعيفة، بل وبناء مؤسسات جديدة عند الحاجة.
ولهذا قال يوسف عليه السلام عندما طلب مسؤولية خزائن الأرض: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: 55). فجمع بين الأمانة والخبرة، وهما أساس كل قيادة ناجحة.
* كيف تُصنع القيادة الراشدة؟
لا تُصنع القيادة بالشعارات ولا بالدورات السريعة، وإنما بمنهج طويل يقوم على العلم، والتربية، والتجربة، والمحاسبة، والتواضع، وخدمة الناس. فالقائد الحقيقي لا يبحث عن الأضواء، بل يحمل هموم أمته، ويقدم المصلحة العامة على المكاسب الشخصية.
وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله عنها: لِمَ لَمْ تُمَهِّد لها الطريق يا عمر؟” وهو أثر مشهور يُستشهد به في بيان عِظم شعور الحاكم بالمسؤولية، وإن لم يثبت مرفوعًا إلى النبي ﷺ.
* أزمة الإصلاح اليوم
إن من أسباب تعثر كثير من مشاريع الإصلاح أن الاهتمام انصرف إلى توسيع الأبنية، وزيادة الموارد، وتكثير الأنشطة، بينما تراجع الاستثمار في صناعة الإنسان. فأصبح من السهل أن نجد مؤسسة بلا رسالة، أو إدارة بلا قدوة، أو مسؤولًا يملك السلطة ولا يملك الحكمة.
ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بعدد المؤسسات، وإنما بعدد الرجال والنساء الذين يحملون القيم، ويجسدونها في واقعهم، ويورثونها للأجيال من بعدهم.
* القيادة الراشدة مشروع أمة
حين تُبنى القيادة على الإيمان والعلم والأخلاق، تصبح المؤسسات أكثر استقرارًا، ويستمر العطاء حتى مع تغير الأشخاص؛ لأن الرسالة تكون قد انتقلت إلى جيل جديد من القادة. أما إذا ارتبطت المؤسسة بشخص واحد، فإنها غالبًا تضعف بغيابه.
ولذلك فإن واجب المصلحين اليوم أن يجعلوا من أولوياتهم اكتشاف الطاقات، ورعاية المواهب، وإعداد القيادات الشابة، وغرس روح المسؤولية فيها؛ فهذه هي الضمانة الحقيقية لاستمرار أي مشروع إصلاحي.
* خاتمة
لقد علمنا القرآن والسنة أن بناء الإنسان يسبق بناء العمران، وأن القيادة الراشدة لا تُقاس بقدرتها على إدارة المؤسسات فحسب، بل بقدرتها على صناعة رجال ونساء يحملون الرسالة بأمانة وإخلاص. فالمؤسسات قد تُشيَّد بالأموال، أما الرجال فلا يصنعهم إلا الإيمان، والعلم، والتربية، والصبر. وإذا صلح الإنسان، استقامت المؤسسة، وإذا استقامت المؤسسات نهضت الأمة، وبذلك يتحقق الإصلاح الذي أراده الله لعباده… ولكم مني التحية والسلام
* “اللهم ارزقنا قيادةً راشدة، وأصلح بنا ومعنا، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر”
* عنوان مقالة الغد مع المشيئة: “الخلاف وإدارة التنوع: كيف نبني ولا نهدم؟”
للمزيد من المقالات: (رابط قناة: وعي بلا ضجيج) https://whatsapp.com/channel/0029VbC30HGKGGGEoyAovI2P
مقالة رقم: (2391)
* 05. صفر. 1448 هـ
* الأحد، 19.07.2026 م
باحترام: د. محمد طلال بدران (أبو صهيب)

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.

تعقيبات القراء

2

شاركنا تعقيبك ثم اضغط «انشر».

  • أم شاليش

    والله كلام الدكتور على متمه. كم شفنا من مؤسسات كبيرة انبنَت وصرفت عليها مبالغ طائلة، بس يوم اللي غاب عنها الرجال الكفوء والصادق، راحت جهودها كلها عالفاضي. الإيمان بالناس قبل ال…

  • صبري الرهطاوي

    كلام جميل ومقنع جداً. بس يا ريت لو الدكتور كمل لنا كيف بالضبط نقدر نصنع هالقيادات الراشدة في واقعنا اليوم؟ يعني شو الخطوات العملية اللي لازم نتبعها؟

أعمدة الرأي

مزيد من كتابات الكاتب المعتمد

البروفايل

اكتشاف المزيد من جنوب - وكالة اخبار رهط والنقب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة