- رؤية
- الأسرة أولًا
- سلسلة جديدة: “فقه الإصلاح والتغيير”
- هذه المقالة يكتبها د. محمد طلال بدران – مدير دار الإفتاء والبحوث الإسلامية
- عنوان المقالة: (إصلاح الأسرة: الخطوة الأولى في بناء المجتمع)
- رقم المقالة في السلسلة: (06)
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد: - مقدّمة
حين يتحدث الناس عن إصلاح المجتمع، تتجه الأنظار غالبًا إلى الحكومات والمؤسسات والقوانين، مع أن الشرارة الأولى لأي إصلاح لا تنطلق من قاعات السياسة، وإنما من داخل البيوت. فالأسرة هي المدرسة الأولى، وهي البيئة التي تُصاغ فيها القيم، وتتكون فيها الشخصية، ويُبنى فيها الضمير، فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع، وإذا تزعزعت أركانها تهاوت معها منظومة الأخلاق والاستقرار. ولذلك لم يكن اهتمام الإسلام بالأسرة اهتمامًا اجتماعيًا فحسب، بل جعلها أساس العمران الإنساني، ومنطلق الإصلاح الحضاري. - الأسرة في القرآن: ميثاق لا علاقة عابرة
لم ينظر القرآن الكريم إلى الأسرة على أنها مجرد تجمع بين أفراد، وإنما جعلها ميثاقًا غليظًا، يقوم على السكن والمودة والرحمة، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21). فالسكن هو الطمأنينة، والمودة هي المحبة المتجددة، والرحمة هي الصبر والتجاوز عند التقصير، وبهذه الأركان تستمر الأسرة رغم تحديات الحياة. - الإصلاح يبدأ قبل وقوع الأزمة
من الأخطاء الشائعة أن يبدأ الإصلاح بعد وقوع الخلافات، بينما المنهج الإسلامي يقوم على الوقاية قبل العلاج. فالاختيار الصالح للزوجين، والتربية الإيمانية، والحوار الدائم، والعدل بين الأبناء، كلها وسائل تمنع كثيرًا من الأزمات قبل نشوئها.
وقد قال رسول الله ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» (متفق عليه). فكل فرد داخل الأسرة يحمل مسؤولية الإصلاح بحسب موقعه، فلا يجوز إلقاء العبء على طرف واحد. - التربية أعظم مشروع إصلاحي
ليست التربية توفير الطعام والملبس والتعليم فقط، وإنما بناء الإنسان من الداخل؛ بناء عقيدته، وأخلاقه، وانضباطه، واحترامه للآخرين. ولهذا وجَّه القرآن الآباء إلى أعظم وصية، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (التحريم: 6).
فالطفل الذي يتعلم الصدق في بيته، والرحمة في أسرته، واحترام الكبير، وتحمل المسؤولية، سيحمل هذه القيم معه إلى المدرسة، ثم إلى المجتمع، ثم إلى مواقع القيادة مستقبلًا. وهكذا تتحول الأسرة إلى مصنع للرجال والنساء الصالحين، لا إلى مجرد مكان للإقامة والمبيت. - لماذا تتعثر بعض الأسر؟
ليست المشكلة دائمًا في قلة الإمكانات، بل كثيرًا ما تكون في غياب الحوار، وانشغال الوالدين، وسيطرة الأجهزة الإلكترونية، وضعف القدوة، وتحول البيت إلى مكان يجتمع فيه الأجساد بينما تتباعد فيه القلوب؛ -وعلى الدوام أقول: الجميع داخل البيت، ولكنهم حقيقة خارج البيت-
وقد نبَّه النبي ﷺ إلى أهمية الرحمة داخل الأسرة فقال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» (رواه الترمذي). فالبيت الذي تسوده الكلمة الطيبة، والابتسامة، والاحترام المتبادل، يكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات من بيتٍ يخلو من المودة وإن كثرت فيه الإمكانات. - من الأسرة يبدأ إصلاح المجتمع
لا يمكن أن نطالب المدارس بإصلاح ما أفسدته البيوت، ولا أن ننتظر من القوانين أن تعالج غياب التربية. فالمعلم يتعامل مع الطالب ساعات، أما الأسرة فتصنع شخصيته سنوات. ولهذا فإن معالجة كثير من مشكلات العنف، والجريمة، والانحراف، والإدمان، والتفكك الاجتماعي، تبدأ من إعادة الاعتبار للأسرة بوصفها المؤسسة التربوية الأولى.
إن الإصلاح الحقيقي ليس مشروعًا موسميًا، بل هو بناء متدرج يبدأ من قلب الإنسان، ثم أسرته، ثم مجتمعه، حتى تتحول القيم إلى ثقافة عامة، والإصلاح إلى سلوك يومي. - خاتمة
إن الأمة التي تريد مستقبلًا قويًا لا تبدأ ببناء الأبراج قبل بناء الإنسان، ولا بإصلاح المؤسسات قبل إصلاح الأسرة. فالبيت الصالح يخرج الفرد الصالح، والفرد الصالح يبني المجتمع الصالح، والمجتمع الصالح يصنع نهضةً راسخة. ومن هنا كانت الأسرة هي الخطوة الأولى في فقه الإصلاح والتغيير؛ لأنها الجذور التي إن صلحت أثمرت شجرة المجتمع كلها خيرًا وبركة. فماذا تقولون أنتم؟..ولكم مني التحية والسلام - “اللهم أصلح بيوتنا، وألّف بين قلوبنا، واجعل أسرنا منارات هدى، ومفاتيح خير، ومغاليق شر، وجمعة مباركة”
- عنوان مقالة الغد مع المشيئة: “الوعي قبل المواجهة: لماذا يسبق الفكرُ الحركة؟”
للمزيد من المقالات: (رابط قناة: وعي بلا ضجيج) https://whatsapp.com/channel/0029VbC30HGKGGGEoyAovI2P
مقالة رقم: (2389) -
- صفر. 1448 هـ
- الجمعة، 17.07.2026 م
باحترام: د. محمد طلال بدران (أبو صهيب)
إصلاح الأسرة: الخطوة الأولى في بناء المجتمع
تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.
المقال طرح نقطة مهمة جدًا، بس يا ريت لو الدكتور تطرق لأمثلة عملية أو خطوات نقدر نتبعها عشان نطبق هالشيء. خاصة مع كثرة المشاغل والتحديات اللي بتواجه الأسر اليوم.
كلام دكتور محمد طلال مضبوط مية بالمية، الإصلاح ببلش من بيوتنا أول شيء. لو كل واحد فينا اهتم ببيته وأسرته، كان شفنا مجتمع أقوى بكثير.