فقه الأولويات: من أين يبدأ المُصلح؟

  • رؤية
  • ترتيبُ الأولويّات
  • سلسلة جديدة: “فقه الإصلاح والتغيير”
  • هذه المقالة يكتبها د. محمد طلال بدران – مدير دار الإفتاء والبحوث الإسلامية
  • عنوان المقالة: (فقه الأولويات: من أين يبدأ المُصلح؟)
  • رقم المقالة في السلسلة: (04)
    الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد:
    *مقدمة:
    ليست كل القضايا سواء، ولا كل المشكلات في مرتبة واحدة، ولا كل أعمال الخير متساوية في أثرها؛ ولذلك كان فقه الأولويات من أهم أبواب الإصلاح، لأنه يجيب عن السؤال الذي كثيرًا ما يغفل عنه العاملون للإصلاح: من أين نبدأ؟ فنجاح المصلح لا يقاس بكثرة ما يعمل، وإنما بحسن اختياره لما ينبغي أن يبدأ به، وما يجب أن يؤخره، وما يقدم مصلحة الأمة على غيره.
    لقد أقام الإسلام هذا الفقه على الحكمة، وربط بين ترتيب الأعمال وترتيب المصالح، فقال تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (التوبة: 19)، فبيّن أن الأعمال ليست في منزلة واحدة، وأن التفاضل بينها قائم على ميزان الشرع لا على أهواء الناس.
    وقد لخّص النبي ﷺ منهج الإصلاح حين بعث معاذًا إلى اليمن فقال: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله…» (رواه البخاري ومسلم). فلم يبدأ بالتفاصيل، بل بدأ بأصل الأصول، لأن البناء الصحيح يبدأ من الأساس، لا من الزينة.
  • الإصلاح يبدأ بالإنسان
    كل إصلاح حقيقي يبدأ بإصلاح الإنسان قبل الأنظمة، وبناء الضمير قبل بناء المؤسسات، وتصحيح الفكر قبل معالجة السلوك. ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11). فالتغيير الخارجي ثمرة للتغيير الداخلي، وأي إصلاح يتجاوز الإنسان محكوم عليه بالهشاشة.
  • تقديم الكليات على الجزئيات
    من أخطر أخطاء الإصلاح أن ينشغل الناس بالفروع ويتركوا الأصول، أو يخوضوا في القضايا الهامشية بينما تتآكل الثوابت والقِيَم. وقد قرر الإمام الشاطبي أن الشريعة جاءت بحفظ الضروريات قبل الحاجيات والتحسينيات، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. (الشاطبي، الموافقات).
    فإذا ضاعت الأولويات ضاعت الجهود، وأصبح المجتمع يستهلك طاقته في معارك جانبية، بينما تبقى الأزمات الكبرى دون علاج.
    فقه الواقع شرط لصحة الأولويات
    لا يمكن ترتيب الأولويات دون فهم الواقع. فالمُصلِح الحكيم لا ينسخ حلولًا من بيئات أخرى، ولا يعيش في عزلة عن مجتمعه، بل يدرس أسباب المشكلات، ويحدد الأخطر منها، ويوازن بين المصالح والمفاسد.
    قال ابن القيم: “الشريعة مبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد.” (إعلام الموقعين). ومن هنا كان الإصلاح الناجح هو الذي يعالج جذور الداء، لا أعراضه فقط.
  • التدرج سنة الإصلاح
    التغيير المفاجئ كثيرًا ما يورث الرفض، أما التدرج فيبني القناعة ويحقق الثبات. وقد نزل القرآن الكريم مُنَجّمًا خلال ثلاث وعشرين سنة، وربّى الجيل الأول خطوةً خطوة، حتى اكتمل البناء الإيماني والأخلاقي.
    قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: “إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المُفصّل فيها ذكر الجنة والنار… ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا.” (رواه البخاري). إنها مدرسة قرآنية تؤكد أن ترتيب الأولويات والتدرج من أعظم أسباب نجاح الإصلاح.
  • الأمة اليوم وأولوياتها
    تمر أمتنا اليوم بتحديات فكرية وأخلاقية واجتماعية متراكمة؛ ولذلك فإن من أهم الأولويات: ترسيخ الإيمان، وبناء الوعي، وإحياء قيمة العلم، وتعزيز الأسرة، وحماية الشباب، ونشر ثقافة الحوار، وترميم الثقة بين مكونات المجتمع. أما الانشغال بالخلافات الثانوية، أو تحويل المسائل الاجتهادية إلى معارك، فإنه يبدد الطاقات ويؤخر الإصلاح.
    إن المصلح الناجح ليس من يعمل في كل شيء، بل من يعرف ما هو أولى، وما هو أنفع، وما هو أبقى أثرًا. ولذلك قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: “إن الله لا يعذب العامة بخطأ الخاصة، ولكن إذا عُمِل المنكر جهارًا استحق الجميع العقوبة.” وهذا يبرز أهمية البدء بالقضايا التي تحفظ المجتمع وتمنع انتشار الفساد.
  • خاتمة
    فقه الأولويات ليس ترفًا فكريًا، بل هو البوصلة التي تمنع ضياع الجهود وتشتت الطاقات. فالمُصلح يبدأ بالعقيدة قبل الجدل، وببناء الإنسان قبل المظاهر، وبمعالجة الجذور قبل الفروع، وبالمصلحة العامة قبل المكاسب الشخصية. وعندما تستقيم الأولويات، يصبح الإصلاح أكثر حكمة، وأعمق أثرًا، وأقرب إلى هدي القرآن والسنة، فتتحول الجهود المحدودة إلى إنجازات كبيرة، ويصبح التغيير مشروعًا متدرجًا يصنع نهضةً راسخة لا اندفاعًا عابرًا.. ولكم مني التحية والسلام
  • “اللهم ارزقنا الحكمة في القول والعمل، واهدنا إلى إصلاحٍ يبدأ بأنفسنا ويعمُّ مجتمعنا”
  • عنوان مقالة الغد مع المشيئة: “التغيير سُنّة ربانية: قراءة في قوانين النهوض والسقوط”
    للمزيد من المقالات: (رابط قناة: وعي بلا ضجيج) https://whatsapp.com/channel/0029VbC30HGKGGGEoyAovI2P
    مقالة رقم: (2387)
    1. صفر. 1448 هـ
  • الأربعاء، 15.07.2026 م
    باحترام: د. محمد طلال بدران (أبو صهيب)
تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.

تعقيبات القراء

2

شاركنا تعقيبك ثم اضغط «انشر».

  • صبري الرهطاوي

    نقطة فقه الواقع مهمة جدًا. بس كيف ممكن المصلح يطبقها عندنا بالظبط، يعني إيش هي أهم المشاكل اللي لازم نبدأ فيها في مجتمع النقب حاليًا؟

  • هالة

    كلام الدكتور بدران في محله، فعلاً لازم نبدأ بإصلاح أنفسنا أول شيء قبل ما نطالب بتغيير أي شيء برا. الواحد يشوف كيف المجتمع صار مشغول بأشياء مش أساسية وتارك الأصول.

أعمدة الرأي

مزيد من كتابات الكاتب المعتمد

البروفايل

اكتشاف المزيد من جنوب - وكالة اخبار رهط والنقب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة