- رؤية
- مشاركة مؤثّرة
- سلسلة: “ما بين الكلام والحياة: مراجعة في خطابنا وواقعنا”
- هذه المقالة يكتبها د. محمد طلال بدران – مدير دار الإفتاء والبحوث الإسلامية
- عنوان المقالة: (هل المشاركة تنازل أم تأثير؟)
- رقم المقالة في السلسلة: (08)
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد: - مقدمة
من أكثر الأسئلة التي تتكرر في مجتمعنا اليوم، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالسياسة وصناعة القرار: هل المشاركة تعني التنازل عن المبادئ؟ وهل الدخول في المؤسسات القائمة يعني القبول بكل ما فيها؟ أم أن المشاركة يمكن أن تكون وسيلة لحماية الحقوق، وتحقيق المصالح، وصناعة التأثير؟
المشكلة تبدأ حين نحول المسألة إلى إجابة جاهزة: المشاركة خيانة للمبادئ، أو المشاركة طريقٌ إلى التغيير. وكلاهما تبسيطٌ لمسألة أكبر من ذلك بكثير. -
المشاركة ليست هدفًا بحد ذاتها
المشاركة ليست قيمة مطلقة، كما أن المقاطعة ليست قيمة مطلقة. كلاهما وسيلة، والوسائل تُقاس بأهدافها ونتائجها وقدرتها على تحقيق المصلحة ودفع المفسدة.
قد تكون المشاركة في موقفٍ ما تنازلًا غير مقبول، وقد تكون في موقف آخر موقفًا مسؤولًا يمنع الضرر ويحقق مصلحة حقيقية.
ولهذا فإن السؤال الناضج ليس: “هل نشارك أم لا؟” بل: ماذا سنحقق من مشاركتنا؟ وماذا سنخسر من غيابنا؟ -
التنازل الحقيقي ليس مجرد مشاركة
هناك فرق بين أن تدخل مساحةً ما وأنت متمسك بثوابتك، وبين أن تدخلها فتتخلى عن ثوابتك حتى تصبح مقبولًا لدى الآخرين.
التنازل لا يبدأ بمجرد المشاركة؛ بل يبدأ حين تفقد البوصلة، أو تقبل بما كنت ترفضه، أو تجعل الوصول إلى الموقع أهم من المبدأ.
أما أن تستخدم الأدوات المتاحة لخدمة مجتمعك، والدفاع عن حقوقه، والتأثير في القرارات التي تمسه، فهذا ليس بالضرورة تنازلًا؛ بل قد يكون شكلًا من أشكال المسؤولية. -
الغياب ليس حيادًا دائمًا
من السهل أن تقول: “لن نشارك لأننا لا نريد أن نعطي الشرعية لأحد”، لكن ماذا يحدث بعد ذلك؟
هل تتوقف القرارات؟ هل تختفي السياسات؟ هل تتعطل القوانين؟ أم يستمر الآخرون في اتخاذ القرارات التي تمس حياتنا، بينما نكتفي نحن بتسجيل اعتراضاتنا عليها؟
أحيانًا يكون الغياب موقفًا مبدئيًا مشروعًا، لكن أحيانًا أخرى يتحول الغياب إلى إخلاءٍ للساحة.
والساحة التي تخليها لا تبقى فارغة طويلًا. -
التأثير يحتاج إلى حضور
لا يكفي أن تكون صاحب قضية عادلة؛ يجب أن تمتلك أدوات الدفاع عنها.
ولا يكفي أن تكون صاحب مبادئ؛ يجب أن تعرف كيف تحميها في عالم المصالح والتوازنات.
السياسة ليست عالمًا مثاليًا، لكنها واقع يؤثر في التعليم، والأمن، والاقتصاد، والإسكان، والعمل، والسلطات المحلية، ومستقبل الشباب، فهل هناك شك في ذلك؟
ومن يرفض التعامل مع هذا الواقع بالكامل، لا يخرج منه بالضرورة؛ فقد يجد نفسه متأثرًا بقرارات الآخرين من دون أن يكون له أي تأثير فيها. -
الحضور بلا بوصلة أخطر من الغياب
ليس المطلوب أن نشارك بأي ثمن.
المشاركة التي تتحول إلى بحث عن المكاسب الشخصية، أو إلى تبرير للأخطاء، أو إلى صمت عن الظلم، أو إلى التخلي عن القيم من أجل الموقع، ليست تأثيرًا؛ إنها ذوبان.
ولهذا نحتاج إلى معادلة أكثر نضجًا:
ثوابت لا نتنازل عنها، ووسائل نراجعها، ومصالح نزنها، وواقع نفهمه، ونتائج نحاسب أنفسنا عليها. -
لا تسأل فقط: ماذا أخذنا؟
من الأخطاء أن نقيس المشاركة بعدد المقاعد والمناصب والوعود.
السؤال الأهم: ماذا تغير على الأرض؟
هل حُمِيت حقوق؟ هل دُفِعت أضرار؟ هل فُتِحت فرص؟ هل تحسن واقع الناس؟ هل أصبح صوت المجتمع مسموعًا؟ وهل استطعنا أن نؤثر دون أن نفقد أنفسنا؟
فالمشاركة التي لا تنتج أثرًا حقيقيًا تحتاج إلى مراجعة، كما أن المقاطعة التي لا تنتج حماية ولا تغييرًا تحتاج إلى مراجعة. -
خاتمة
لنضع النقاط على الحروف
لسنا بحاجة إلى مشاركة عمياء، ولا إلى مقاطعة عمياء.
نحتاج إلى فقه المشاركة: متى نشارك؟ ولماذا؟ وبأي شروط؟ وما حدود التنازل؟ وما الثوابت التي لا يجوز المساس بها؟ وكيف نحول الحضور من مجرد وجود إلى تأثير؟
إن أخطر ما يمكن أن نفعله أن نحول الخلاف حول وسيلة إلى معركة حول الوطنية أو الدين أو الأخلاق.
قد يختلف الناس في تقدير المصلحة، لكن لا ينبغي أن يتحول اختلافهم إلى تخوينٍ أو إقصاء.
المشاركة ليست تنازلًا بمجرد حدوثها، كما أنها ليست تأثيرًا بمجرد وجودنا.
المعيار الحقيقي هو: هل دخلنا ونحن نعرف لماذا ندخل، وماذا نريد، وما الذي لن نتنازل عنه، وهل خرج الناس من مشاركتنا أقوى وأكثر أمنًا وكرامة؟
فالمبدأ الذي لا يستطيع أن يتعامل مع الواقع يحتاج إلى فقه، والواقع الذي يبتلع المبادئ يحتاج إلى بوصلة… وكثيرا من ذكرت ونقلت قول أحد علماء المغرب عند مشاركتهم انتخابات برلمان المغرب بداية هذا القرن في احدى المقابلات حين قال وهو يمارس حقه الانتخابي: “عينٌ على الشرع، وعينٌ على الشارع”… ولكم مني التحية والسلام- “اللهم ارزُقنا الحكمة وحُسن التأثير”
- عنوان مقالة الغد بمشيئة الله: “المواطن لا يريد أن يُرفع مجرّد شِعار”
- للمزيد من المقالات: (رابط قناة: وعي بلا ضجيج) https://whatsapp.com/channel/0029VbC30HGKGGGEoyAovI2P
مقالة رقم: (2435) -
- ربيع الأوّل. 1448 هـ
- 04.09.2026 م
باحترام: د. محمد طلال بدران (أبو صهيب).
هل المشاركة تنازل أم تأثير؟
تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.
التعليقات (0)
علّق باسمك. قد يُطلب منك إكمال الدخول قبل النشر. دخول
لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.