- رؤية
- صناعةُ الإنسان
- سلسلة: “بين الواقع والمستقبل: رؤية في قضايا المجتمع العربي الفلسطيني”
- هذه المقالة يكتبها د. محمد طلال بدران – مدير دار الإفتاء والبحوث الإسلامية
- عنوان المقالة: (الأسرة والتعليم والإعلام: من يعيد تشكيل الإنسان؟)
- رقم المقالة في السلسلة: (09)
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد: - الإنسان هو المعركة الحقيقية
حين نتحدث عن مستقبل مجتمعنا، ننشغل غالبًا بالسياسة والاقتصاد والأمن، وننسى أن وراء كل هذه الملفات إنسانًا هو الذي يصنع القرار، ويبني المؤسسة، ويؤسس الأسرة، ويحمل السلاح أو يرفضه، ويختار الهجرة أو البقاء.
ولهذا فإن السؤال الأعمق ليس فقط: أي مستقبل نريد؟ بل: أي إنسان نريد أن يصنع هذا المستقبل؟
وهنا تظهر ثلاث مؤسسات شديدة التأثير: الأسرة، والمدرسة، والإعلام. وكل واحدة منها تعيد تشكيل الإنسان بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. - الأسرة: المصنع الأول للإنسان
قبل أن يتعلم الطفل أول حرف في المدرسة، يكون قد تعلم عشرات الأشياء في البيت: كيف يتعامل مع الآخرين، كيف يحل الخلاف، كيف ينظر إلى نفسه، وما معنى النجاح، وما قيمة المال، وكيف يتعامل مع الخطأ.
الأسرة التي تربي أبناءها على الحوار والمسؤولية والاحترام تصنع إنسانًا قادرًا على بناء المجتمع. أما الأسرة التي تربي بالخوف أو الإهمال أو العنف، فقد تترك فراغًا تملؤه مؤسسات أخرى، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (التحريم: 6). فالتربية ليست وظيفة المدرسة وحدها؛ إنها أمانة تبدأ من البيت. - المدرسة: هل نعلّم الإنسان أم نملأ الذاكرة؟
المدرسة ليست مكانًا لتخزين المعلومات والحصول على الشهادات فقط. إنها البيئة التي يتعلم فيها الطفل الانضباط، والعمل الجماعي، واحترام الاختلاف، وتحمل المسؤولية، واكتشاف قدراته.
وإذا كان التعليم لا ينتج إلا طالبًا يحفظ وينجح في الامتحان، لكنه عاجز عن التفكير النقدي، أو حل المشكلات، أو إدارة غضبه، أو اتخاذ القرار، فإننا نكون قد نجحنا في التعليم وفشلنا في بناء الإنسان.
نحن بحاجة إلى مدرسة تخرّج طبيبًا ماهرًا، لكنها تخرّج معه إنسانًا أمينًا؛ وتخرّج مهندسًا متفوقًا، لكنه يعرف أن العلم مسؤولية؛ وتخرّج مواطنًا قادرًا على الاختلاف دون كراهية. - الإعلام: المعلم الذي لا نراه
وهنا تظهر القوة الثالثة، وربما الأخطر: الإعلام.
الطفل والشاب اليوم لا يتلقى المعرفة من المدرسة والأسرة فقط؛ الهاتف في يده، والمنصات أمامه، والمؤثرون يدخلون إلى غرفته دون استئذان.
الإعلام لا ينقل الواقع فقط، بل يستطيع أن يصنع صورة الواقع في عقول الناس.
حين يصبح صاحب المال السريع نموذجًا للنجاح، والمجرم بطلًا، والعنف قوة، والسخرية ذكاء، والاستهلاك قيمة، فإننا لا نتحدث عن محتوى ترفيهي بريء، بل عن عملية إعادة تشكيل للوعي. - المشكلة ليست في المؤسسات الثلاث بل في انفصالها
الخطر الأكبر أن تعمل الأسرة في اتجاه، والمدرسة في اتجاه آخر، والإعلام في اتجاه ثالث.
الأب يقول لابنه: “اجتهد واعمل”، بينما يرى الشاب عبر هاتفه أن الشهرة أهم من العلم.
المدرسة تعلمه احترام القانون، بينما يسمع في بيئته من يمجد القوة ويفتخر بتجاوز القانون.
الأسرة تزرع قيم الحوار، بينما تقدم له بعض المنصات نموذجًا قائمًا على السخرية والتنمر والتحريض.
وهنا نخسر المعركة ليس لأننا لا نملك القيم، وإنما لأننا لا نملك منظومة متكاملة لحمايتها. - من يعيد تشكيل شبابنا؟
السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا: من يملك وقت أبنائنا؟
إذا كان الوالدان لا يملكان الوقت، والمدرسة لا تملك التأثير الكافي، والإعلام يملك الساعات الطويلة، فمن الطبيعي أن تكون النتيجة لصالح الطرف الأكثر حضورًا.
ولهذا لا يكفي أن نشكو من تغير الشباب؛ علينا أن نسأل: ماذا قدمنا لهم حتى لا يكون البديل أقوى منا؟ - لا نريد رقابة فقط، بل بديلًا
لا يمكن مواجهة الإعلام الجديد بمنطق المنع وحده، ولا يمكن حماية الأبناء بسحب الهواتف منهم فقط.
نحتاج إلى محتوى أفضل، وقدوة أفضل، ومساحات أفضل، ومشاريع تستوعب طاقات الشباب.
إذا كان المحتوى الهابط يجذبهم، فعلينا أن نقدم محتوى راقيًا قادرًا على المنافسة. وإذا كان المؤثر السيئ يصل إليهم، فعلينا أن نصنع مؤثرين يملكون العلم والأخلاق والقدرة على مخاطبة الجيل الجديد بلغته. - مسؤولية الجميع
الأسرة مسؤولة، والمدرسة مسؤولة، والإعلام مسؤول، والمؤسسات الدينية والثقافية والشبابية مسؤولة، وكذلك الشاب نفسه.
ولا يجوز أن ننتظر جيلًا صالحًا من بيئة لا تبذل جهدًا في صناعة الصلاح، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11). فالتغيير يبدأ من الإنسان، والإنسان يُبنى داخل منظومة متكاملة. - خاتمة: من يربح الإنسان يربح المستقبل
معركتنا الحقيقية ليست فقط على مقعد سياسي، ولا على ميزانية، ولا على مؤسسة؛ إنها على عقل الإنسان وضميره وشخصيته وقيمه.
فإذا نجحت الأسرة في التربية، والمدرسة في التعليم، والإعلام في صناعة الوعي، أصبح لدينا جيل قادر على مواجهة تحديات المستقبل بثقة ووعي.
أما إذا تركنا أبناءنا يتلقون قيمهم من مصادر متناقضة، ثم اكتفينا بالشكوى من نتائج ذلك، فلا ينبغي أن نستغرب عندما نجد مجتمعًا مختلفًا عن المجتمع الذي نريده.
من يعيد تشكيل الإنسان اليوم، سيحدد شكل مجتمعنا غدًا.
ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي في مستقبل مجتمعنا العربي الفلسطيني يبدأ من سؤال بسيط وعميق:
ماذا نفعل اليوم حتى نصنع الإنسان الذي نحتاجه غدًا؟… ولكم مني التحية والسلام - “اللهم اصلح أحوالنا، وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن”
- عنوان مقالة الغد: (إذا غبنا عن صناعة القرار: فمن يصنع مستقبلنا؟)
- للمزيد من المقالات: (رابط قناة: وعي بلا ضجيج) https://whatsapp.com/channel/0029VbC30HGKGGGEoyAovI2P
مقالة رقم: (2416) -
- صفر. 1448 هـ
- 13.08.2026 م
باحترام: د. محمد طلال بدران (أبو صهيب).
الأسرة والتعليم والإعلام: من يعيد تشكيل الإنسان؟
تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.
الدكتور ركز على دور الأسرة كـ ‘مصنع الإنسان الأول’، بس كيف ممكن نعزز هالدور في ظل كل التحديات اللي بتواجه العائلات اليوم؟ هل في حلول عملية؟
كلام سليم بخصوص الإعلام، خاصّة الجيل الجديد صار كل شي يتعلّمه من التلفون والمنصّات. يعني دور الأهل والمدرسة صار أصعب بكثير في ظل كل هالمؤثرات.