الشباب بين اليأس والهجرة والبقاء، من يصنع الأمل

الشباب بين اليأس والهجرة والبقاء، من يصنع الأمل
  • رؤية
  • أملٌ وبقاء
  • سلسلة: “بين الواقع والمستقبل: رؤية في قضايا المجتمع العربي الفلسطيني”
  • هذه المقالة يكتبها د. محمد طلال بدران – مدير دار الإفتاء والبحوث الإسلامية
  • عنوان المقالة: (الشباب بين اليأس والهجرة والبقاء: من يصنع الأمل؟)
  • رقم المقالة في السلسلة: (07)
    الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد:
  • حين يصبح المستقبل سؤالًا مؤلمًا
    الشباب هم أكثر الفئات حساسية تجاه المستقبل؛ لأنهم في العمر الذي يبحث فيه الإنسان عن مكانه، وفرصته، وكرامته، وحلمه. لكن حين تتراكم أمام الشاب مشاهد العنف والجريمة، وضيق فرص العمل، وأزمة السكن، والتمييز، والاضطراب السياسي، وتراجع الثقة بالمؤسسات، يصبح السؤال أكثر قسوة: هل أبقى هنا وأحاول، أم أبحث عن حياة أفضل في مكان آخر؟
    ولذلك فإن الحديث عن هجرة الشباب ليس حديثًا عن السفر فقط، بل عن الأسباب التي جعلت بعضهم يفكر في الرحيل أصلًا.
  • لا نلوم الشباب قبل أن نسأل عن الواقع
    من السهل أن نقول للشاب: تمسّك بأرضك، ولا تفكر في الهجرة، وابنِ مستقبلك هنا. لكن الكلام الأخلاقي وحده لا يكفي.
    الشاب يريد تعليمًا جيدًا، وفرصة عمل، وسكنًا، وأمنًا، وبيئة تحفظ كرامته، ومجتمعًا يستطيع أن يحقق فيه ذاته. فإذا طالبناه بالبقاء، فعلينا أن نسأل: ماذا أعددنا له كي يجد في البقاء معنى وفرصة؟
    لا يجوز أن نحمّل الشباب وحدهم مسؤولية أزمة لم يصنعوها وحدهم.
  • اليأس لا يولد فجأة
    اليأس نتيجة تراكم. يبدأ حين يشعر الشاب أن جهده لا يغيّر شيئًا، وأن الكفاءة لا تكفي، وأن المستقبل مغلق، وأن الجريمة أقرب إلى النجاح من العمل الشريف، وأن أصحاب القرار لا يسمعون صوته.
    وحين يفقد الإنسان الإحساس بالقدرة على التأثير، يبدأ بالبحث عن مخرج فردي؛ وقد يكون هذا المخرج الهجرة.
    لذلك فإن مقاومة الهجرة تبدأ قبل قرار السفر بسنوات: بإعادة بناء الثقة والأمل والفرص.
  • الأسرة: صناعة المعنى قبل صناعة النجاح
    الأسرة ليست مسؤولة عن توفير المال فقط، بل عن بناء الإنسان الذي يعرف من هو، ولماذا يعيش، وكيف يواجه الفشل.
    قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (التحريم: 6).
    الشاب الذي يجد في بيته الحوار والاحتضان والقدوة، يكون أكثر قدرة على مواجهة ضغوط الحياة. أما الأسرة التي لا ترى أبناءها إلا عندما يفشلون، فقد تكتشف المشكلة بعد أن يصبح علاجها أصعب.
  • المدرسة والجامعة: من الشهادة إلى بناء المستقبل
    لا يكفي أن نخرّج أعدادًا كبيرة من الشباب بشهادات جامعية، ثم نتركهم أمام سوق عمل لا يستوعبهم.
    نحتاج إلى تعليم يربط المعرفة بالمهارة، ويشجع المبادرة والابتكار، ويعرّف الطالب بسوق العمل، ويمنحه القدرة على إنشاء الفرصة لا انتظارها فقط.
    فالمستقبل لا تصنعه الشهادات وحدها، وإنما المعرفة والمهارة والإبداع والعمل.
    المجتمع الذي يريد بقاء شبابه يجب أن يستثمر فيهم
    لا يمكن أن نطلب من الشباب أن يبقوا، ثم نتركهم فريسة للفراغ والجريمة والمخدرات واليأس.
    نحتاج إلى أندية ومراكز شبابية، ومشاريع رياضية وثقافية، وحاضنات للمبادرات، وبرامج تدريب، ودعم للمشاريع الصغيرة، وربط للكفاءات الشابة بالمؤسسات.
    الشباب ليسوا جمهورًا للتصفيق في المناسبات؛ إنهم رأس المال البشري لمستقبل المجتمع.
  • والسياسة مسؤولة أيضًا
    أي مشروع سياسي لا يضع الشباب في قلب برنامجه هو مشروع ينظر إلى الحاضر ويترك المستقبل.
    نريد سياسات حقيقية في التعليم والتشغيل والسكن، ومواجهة الجريمة، ودعم المبادرات الاقتصادية، وإتاحة المجال أمام الجيل الجديد للمشاركة في صناعة القرار.
    ولا يكفي أن نتحدث باسم الشباب؛ المطلوب أن نمنحهم مكانًا في مواقع صناعة القرار.
  • لا نصنع الأمل بالكلمات
    الأمل ليس خطبة جميلة، ولا منشورًا تحفيزيًا، ولا مطالبة للشباب بالصبر فقط.
    الأمل يُصنع عندما يرى الشاب أن هناك طريقًا يمكن أن يسلكه، وفرصة يمكن أن يحصل عليها، ومؤسسة يمكن أن يلجأ إليها، ومجتمعًا يحميه، وقيادة تستمع إليه، لا تعيش صراعات الكراسي كما هو حاصل أمام أنظارنا.
    قال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾ (يوسف: 87).
    لكن الأمل الذي يدعو إليه الإيمان لا يعني انتظار المعجزات؛ بل يعني أن نعمل ونأخذ بالأسباب ونرفض الاستسلام.
  • البقاء ليس شعارًا
    نحن لا نريد أن نبني خطابًا يجرّم كل شاب يفكر في السفر. فالإنسان قد يسافر للتعلم أو العمل أو تحسين ظروفه، والهجرة في ذاتها ليست خيانة ولا جريمة.
    المشكلة تبدأ حين تصبح الهجرة الخيار الوحيد الذي يراه الشاب أمامه، وحين يصبح البقاء مرادفًا للحرمان والخوف وانسداد الأفق.
    عندها لا ينبغي أن نسأل الشاب: «لماذا تريد الرحيل؟» فقط، بل يجب أن نسأل أنفسنا: «ماذا فعلنا حتى يصبح البقاء خيارًا كريمًا؟»
  • خاتمة: من يصنع الأمل؟
    الأمل لا تصنعه جهة واحدة. تصنعه الأسرة حين تربي، والمدرسة حين تبني، والجامعة حين تؤهل، والمؤسسة حين تفتح المجال، والقيادة حين تضع رؤية، ورجل الأعمال حين يوفر فرصة، والعالم والداعية حين يزرعان المعنى، والشاب نفسه حين يرفض الاستسلام.
    إن مستقبل مجتمعنا لن يتحدد فقط بعدد من يبقون فيه، وإنما بنوعية الحياة التي يستطيعون أن يعيشوها، وبالفرص التي يجدونها، وبالمعنى الذي يمنحونه لبقائهم.
    ولذلك فإن معركتنا الحقيقية ليست مع الطائرة التي تحمل شابًا إلى الخارج، بل مع الظروف التي جعلته يرى مستقبله خارج وطنه.
    إذا أردنا لشبابنا أن يبقوا، فلا نطلب منهم فقط أن يحبوا المكان؛ بل علينا أن نجعل المكان جديرًا بأن يُحب، وجديرًا بأن يُبنى فيه المستقبل… أليس كذلك يا سادة يا كرام؟ ولكم مني التحية والسلام
  • “اللهم ازرع الأمل في قلوب شبابنا، ووفّقهم لكل خير”
  • عنوان مقالة الغد: (الأسرة والتعليم والإعلام: من يعيد تشكيل الإنسان؟)
  • للمزيد من المقالات: (رابط قناة: وعي بلا ضجيج) https://whatsapp.com/channel/0029VbC30HGKGGGEoyAovI2P
    مقالة رقم: (2415)
    1. صفر. 1448 هـ
  • ، 12.08.2026 م
    باحترام: د. محمد طلال بدران (أبو صهيب).

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.

شارك واتساب تيليغرام

تعقيبات القراء

التعليقات (2)

علّق باسمك. قد يُطلب منك إكمال الدخول قبل النشر.

  • هالة

    كلام الدكتور محمد صحيح 100% عن التعليم وفرص العمل، كثير من الشباب بيتخرجوا بشهادات وما بيلاقوا مكانهم بسوق الشغل وهذا بيزيد الإحباط فعلًا.

  • خالد القديري

    المقال بيطرح سؤال مهم عن مين اللي بيصنع الأمل للشباب. هل المسؤولية تقع على عاتق الأفراد والمؤسسات بنفس الدرجة، ولا في جهة معينة لازم تبدأ بالحل؟

من الكاتب نفسه

مقالات أخرى

صفحة الكاتب