الوهم الأيديولوجي

الوهم الأيديولوجي:
لماذا تفشل الأحزاب العربية في قراءة “الكنز البشري الهارب”؟
■المعركة الانتخابية القادمة لن تُحسم بإقناع من يملك “أيديولوجيا المقاطعة”، بل بإيقاظ من يغط في “نوم اللا مبالاة”…■
《سعيد بدران》
تواجه الأحزاب العربية في انتخابات الكنيست أزمة بنيوية حادة تتمثل في سوء توجيه حملاتها الانتخابية، حيث تصر على استهداف “المقاطعين الأيديولوجيين”، أو التركيز على مهاجمة ومناكفة بعضها البعض، بينما تتجاهل الكتلة الحرجة الحقيقية التي تقبع في دائرة عدم التصويت لأسباب غير سياسية.
الأرقام والواقع الرقمي في الشارع العربي
تُشير البيانات الرسمية والإحصائية لانتخابات الكنيست الأخيرة إلى معطيات رقمية حاسمة ترسم الخارطة السياسية للمجتمع العربي، إذ يتجاوز عدد أصحاب حق الاقتراع في المجتمع العربي حاجز الـ 1,000,000 ناخب، وهو ما يمثل طاقة سياسية قادرة على تغيير موازين القوى البرلمانية بالكامل وإدخال ما يزيد عن 15 إلى 18 عضو كنيست لو استُغلت بالكامل.
ولكن الازمة تكمن في نسبة المشاركة المتأرجحةحيث تتأرجح نسبة التصويت العامة في البلدات العربية بشكل حاد؛ فبينما وصلت في ذروتها تاريخياً إلى حوالي 65% عام 2020 بدفع من القائمة المشتركة، هبطت في جولات أخرى إلى حدود الـ 53% أو أقل، مما يترك ما يقارب نصف مليون صوت عربي خارج صناديق الاقتراع.

“المقاطعون”: أيديولوجيا هامشية مقابل أغلبية صامتة!

تكمن خطيئة النشطاء السياسيين في خلط الأوراق واعتبار كل من لا يتوجه إلى الصناديق “مقاطعاً مبدئياً”. الحقيقة الإحصائية والتحليلية تكشف غير ذلك فعند التدقيق في
إجمالي العازفين عن التصويت في المجتمع العربي، نجد شرائح عديدة ومنها؛ المقاطعون الأيديولوجيون والمبدئيون (الأقلية الواعية سياسياً)، الأغلبية الصامتة غير المصوتة لأسباب “غير أيديولوجية” (الكتلة الأكبر)، اللا مبالاة واليأس من التغيير، عدم الانتماء الحزبي أو السياسي، الافتقار للثقافة السياسية والجهل بمجريات الشارع الإسرائيلي، عدم الرضا المطلق عن الأداء والممثلين المطروحين، وصعوبات لوجستية وصعوبة الوصول.

المقاطعون الأيديولوجيون (الأقلية)

• يمثلون تياراً فكرياً ثابتاً (مثل حركة أبناء البلد والحركة الإسلامية المحظورة)
• يمتلكون وعياً سياسياً حاداً وموقفاً عقائدياً غير قابل للتفاوض، ومحاولة إقناعهم هي هدر محض للوقت والجهد.
ومن الجدير بالذكر هنا الى ان هناك ممن ينتمي لهذه الحركات أو مقرب منها يمارس حق التصويت في حالات معينة مدروسة وبعيدة عن الأنظار.
2. الغالبية العظمى العازفة (الأغلبية الصامتة)
هذه الشريحة لا تقاطع منطلقاً من مبدأ واعي، بل من دوافع إحباط وتهميش:
• اللا مبالاة الشديدة: الشعور بأن الصوت العربي لا يقدم ولا يؤخر في تغيير السياسيات العنصرية أو تحسين جودة الحياة اليومية.
• الجهل بالمنظومة والأدوات: افتقار شريحة واسعة للثقافة السياسية والجهل بآليات العمل البرلماني ومجريات الأمور داخل الشارع السياسي الإسرائيلي.
• انعدام الثقة في النخب: عدم الرضا التام عن أداء الممثلين العرب الحاليين، ورؤية الوجوه السياسية كأدوات تقليدية عاجزة عن مواجهة أزمات العنف، الأرض، والمسكن.
• عوائق لوجستية: صعوبة الوصول إلى مراكز الاقتراع لبعض الفئات المهمشة أو العمال خارج بلداتهم.

النصيحة الاستراتيجية:

توقفوا عن محاربة الطواحين
الرسالة الموجهة إلى الأحزاب العربية ونشطائها واضحة ومباشرة؛
توقفوا عن مهاجمة المقاطعين المبدئيين لان الدخول في سجالات فيسبوكية ومناظرات فكرية مع أصحاب الموقف العقائدي لن يجلب صوتاً واحداً، بل يعزز الاستقطاب.
وعليكم ان تدركوا إن كنزكم الحقيقي يكمن في الأغلبية غير المسيسة المحبطة إذ تتطلب المرحلة الحالية تبني استراتيجيات جديدة تماماً:
• تبسيط الخطاب: النزول إلى الشارع بخطاب يومي معيشي (محاربة الجريمة، الإسكان، الميزانيات) بدلاً من الشعارات الفوقية المعقدة.
• التثقيف المدني: سد الفجوة المعرفية لدى الشباب والنساء والشرائح التي لا تتابع الأخبار السياسية، وشرح تأثير العضو العربي في اللجان البرلمانية على حياتهم اليومية.
• توفير البدائل الإقناعية: تقديم حلول عملية لإعادة الثقة لمن يرى في القيادات الحالية تكراراً للفشل.
إن المعركة الانتخابية القادمة لن تُحسم بإقناع من يملك “أيديولوجيا المقاطعة”، بل بإيقاظ من يغط في “نوم اللا مبالاة”…!
سعيد بدران 1905

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.

تعقيبات القراء

0

شاركنا تعقيبك ثم اضغط «انشر».

لا توجد تعقيبات بعد. كن أول المشاركين.

أعمدة الرأي

مزيد من كتابات الكاتب المعتمد

البروفايل

اكتشاف المزيد من جنوب - وكالة اخبار رهط والنقب

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة