#كفى تجريبًا للمُجرَّب:
نحو استراتيجية انتخابية واقعية وناضجة بعيدًا عن أوهام “المشتركة”
《سعيد بدران》
تتحرك الساحة السياسية العربية اليوم على وقع أصوات ونقاشات مكررة، تحنّ إلى صيغ الماضي بجموده، وتحاول بشتى الطرق والوسائل النفخ في رماد تجربة “القائمة المشتركة” لإعادة إحيائها من جديد وتصديرها للجمهور كطوق نجاة وحيد. ورغم النوايا التي قد يبدو بعضها طيبًا ومدفوعًا بالرغبة في لمّ الشمل، إلا أن الإصرار العجيب على فرض هذه الصيغة مجددًا على الجماهير يعكس حالة حادة من الانفصال عن الواقع، وتجاهلًا صارخًا لدروس التاريخ القريب التي أثبتت فشل هذه التجربة لأكثر من مرة. لقد تحولت “المشتركة” في محطاتها الأخيرة من أداة تمكين وطني مأمولة إلى ساحة للخلافات الداخلية، والمحاصصة الحزبية، وتفتيت ثقة المواطن بالعمل السياسي ككل.
إن المشهد السياسي الحالي يتطلب منا وقفة مكاشفة حقيقية وعميقة، والابتعاد عن العواطف والشعارات الفضفاضة التي سئمها الناس. إن الإصرار على إعادة إنتاج القائمة المشتركة بنفس الأدوات، ونفس العقليات، ونفس الوجوه والشخصيات التي أدارت الأزمات السابقة، يضع مجتمعنا مباشرة أمام المقولة الشهيرة التي تنطبق تمامًا على هذه الحالة: “الغباء هو فعل نفس الشيء مرتين بنفس الأسلوب ونفس الخطوات وانتظار نتائج مختلفة”.
كيف يمكن للنخب السياسية أن تتوقع نتائج مغايرة، أو تقنع ناخبًا محبطًا بالذهاب إلى صناديق الاقتراع، وهي تقدم له ذات الصيغة التي أرهقت الشارع، وتحولت في نهاياتها التاريخية المألوفة إلى صراع مرير على المقاعد والترتيب والتمثيل الفئوي، بدلًا من صياغة رؤية استراتيجية موحدة ومواجهة التحديات الوجودية للمجتمع العربي؟!
#جدلية التجريب والتاريخ..!
هذا الإصرار الغريب والمستهجن يخالف أبسط قواعد الفطرة السياسية والشعبية، ويهدم التراكم المعرفي الذي من المفترض أن تملكه القيادات السياسية، ومن أهم الأمثال الشعبية العربية التي تعكس ذات الفكرة، ذلك المثل الشامي الذكي الذي يقول:”اللى يجرب المجرب عقله مخرب”. والعبارة في حقيقتها بسيطة وعميقة للغاية، لأنها تركز على ضرورة الاستفادة من نتائج تجارب الغير والتعلم من الأخطاء السابقة لتجنب التعثر والسقوط في ذات الحفر والمطبات. فما بالكم إذا كانت التجربة هي تجريبتنا نحن؟ وما بالكم إن كنا نحن من دفع ثمنها غاليًا من رصيدنا السياسي، ومن نسب تصويتنا التي تراجعت إلى مستويات قياسية غير مسبوقة بسبب نفور الشارع من المسرحيات السياسية المكررة؟
إن العقل والمنطق يفرضان علينا مراجعة التاريخ القريب، فـالتاريخ لم يكتب من أجل أن يُدَرَس للطلاب، ولكن من أجل أخذ العبر والدروس منه.
التاريخ، يا سادتي، ليس مجرد حكايات تُروى في الصالونات السياسية، بل هو مرآة تكشف عيوب الممارسة وتصوب المسار. وللأسف الشديد ما زلنا نكرر -كل يوم- ذات الخطأ الذى تكرر أمام أعيننا ألف مرة دون أن نستخلص الدروس والعبر. نعود وندخل في دوامة المفاوضات ذاتها، نتبادل الاتهامات ذاتها، نصل إلى نقطة الانفجار ذاتها، ثم نعود لنطلب من الجمهور أن يصدق أن “هذه المرة ستكون مختلفة”! هذا التكرار العبثي للأخطاء لم يعد مقبولًا، ولم يعد الشارع مستعدًا للمجاملة على حساب قضاياه الحارقة.
#المسؤولية المشتركة والمكاشفة الصادقة..!
يجب أن نملك الشجاعة الكافية، قادة ونخبًا ومجتمعًا، لقول الحقيقة العارية مهما كانت مؤلمة وصادمة. لا يمكننا الاستمرار في تبني دور الضحية طوال الوقت دون مراجعة سلوكنا القيادي والسياسي. وبكلام أكثر دقة وصراحة بانه لا يمكن أن تكون شريكًا في ترسيخ منظومة فاسدة، ثم تتحول إلى ضحية دائمة لها كلما جاءت النتائج على غير هواك، وفي نهاية الامر نحن نستحق هذا التعامل، لأننا دعمناه بايدينا ورسخناها في واقعنا.
إن استمرار القيادات في إعطاء جرعات إنعاش وهمية لصيغ سياسية أثبتت عقمها وفشلها، يجعلنا مسؤولين بشكل مباشر ومكتمل الأركان عن حالة الإحباط السائدة والنفور الجماعي للشباب والجمهور من السياسة. نحن الذين رسخنا بأيدينا ثقافة المحاصصة، ونحن الذين سمحنا للاعتبارات الحزبية الضيقة بأن تطغى على المصلحة العامة.!
ولا يصح بعد كل هذا أن نلوم الناخب الذي يختار البقاء في بيته يوم الانتخابات تفاديًا لتكرار الخديعة.
هناك قاعدة شعبية واضحة وجريئة، تعلمناها من حكمة البدوي، تلخص المسألة برمّتها وتقول: “اللي يبوقك مرة، العيب عليه.. واللي يبوقك مرتين، العيب عليك”. لقد وثق الشارع العربي في مشروع القائمة المشتركة في المرة الأولى، ومنحها قوة برلمانية غير مسبوقة، فماذا كانت النتيجة؟ تشرذم، وخلافات علنية، وتفكك مخزٍ قبل نهاية الدورة البرلمانية. واليوم، فإن الشارع الواعي لن يقبل بأن يُلدغ من الجحر ذاته للمرة الثالثة والرابعة تحت مسميات “الوحدة” الفضفاضة والشعارات الرنانة التي لا تجد لها رصيدًا ولا تطبيقًا على أرض الواقع. العيب لن يكون على الصيغة الفاشلة هذه المرة، بل سيكون علينا إن قبلنا بتكرارها والترويج لها.
#البديل الواقعي: خارطة طريق ناضجة وعقلانية..!
إن رفض إعادة بناء القائمة المشتركة لا يعني أبدًا الاستسلام أو الانسحاب من المشهد السياسي، بل يعني النضج والبحث عن حلول وبدائل حقيقية وقابلة للحياة. والبديل الناضج، والحل الأفضل لإنقاذ التمثيل السياسي العربي وتعزيز قوة الجماهير، لا يكمن في الاندماج القسري والوحدة المصطنعة التي تنفجر عند أول منعطف وتقاطع بالمصالح والرؤية، بل يكمن في الذهاب إلى الانتخابات بقائمتين منفصلتين، واضحتَي المعالم والتوجهات والبرامج.
هذا التعدد والتنافس الصحي ليس دليلًا على الضعف، بل هو انعكاس طبيعي للتنوع الأيديولوجي والفكري الحقيقي والمشروع داخل مجتمعنا العربي. إن وجود قائمتين قويتين يمنح الناخب خيارات واضحة، ويحفز التيارات المختلفة على العمل الجاد في الميدان بدلًا من الاتكال على مظلة “المشتركة” الوهمية. ولكن، لكي ينجح هذا الخيار البديل ويحقق أهدافه الاستراتيجية، فإنه يشترط الالتزام الصارم والكامل بمبدأين رئيسيين لا تنازل عنهما:
• الالتزام التام والمطلق بعدم مهاجمة القوائم لبعضها البعض: يجب صياغة ميثاق شرف سياسي وإعلامي ملزم، والابتعاد التام عن لغة التخوين، المناكفات الإعلامية، والتراشق عبر وسائل التواصل الاجتماعي. إن الهجوم المتبادل هو السلاح الأخطر الذي يدمّر معنويات الناخب وينفره من الصناديق. التنافس يجب أن يكون حضاريًا، برامجيًا، ويحترم عقول الجماهير.
• التشديد على مناشدة الجمهور برفع نسبة التصويت: بدلاً من هدر الطاقات في مفاوضات عقيمة حول الترتيب والمقاعد، يجب توجيه كل الجهود والموارد نحو الميدان، بخطاب عقلاني ومسؤول يعيد الثقة للمواطن، ويركز على قضاياه الحارقة واليومية؛ مثل مكافحة الجريمة والعنف، قضايا الأرض والمسكن، الهوية، والتمكين الاقتصادي. الهدف المشترك للقائمتين يجب أن يكون زيادة الوعي الجماعي بأهمية الصوت العربي كأداة ضغط وتأثير.
#الـ”انتقال” نحو المستقبل..!
خلّد ارشيف التاريخ مقولة شهيرة لوينستون تشرشل، في بدايات الحرب العالمية الثانية، والتي تلخص فلسفة الصمود الإستراتيجي وتغيير الخطط حيث قال:”ليس المهم أن تنتقل من فشل إلى فشل آخر، ولكن الأهم أنك فى حالة حركة «انتقال”.
إن الـ”انتقال” الحقيقي المطلوب منا اليوم ليس الانتقال من نسخة فاشلة للمشتركة إلى نسخة أخرى تفوقها فشلاً وإحباطاً، بل الانتقال بالكامل من عقلية القائمة الواحدة المفروضة قسراً، إلى عقلية “التحالف الذكي” والمسؤول بين تيارين منفصلين يحترمان بعضهما البعض. الانتقال يعني التخلي عن الأدوات القديمة العاجزة، والتحرك بوعي سياسي جديد ومرن يضمن الحفاظ على الهوية، ورفع نسبة التصويت، وإعادة الأمل الحقيقي للجمهور العربي. لقد حان الوقت لنرتقي بوعينا السياسي وممارستنا الحزبية، ونكف نهائيًا عن إعادة تدوير الفشل؛ فالشارع ينتظر منا قيادة حقيقية تصنع المستقبل، لا نخبًا تعيش في جلباب تجارب الماضي الخاسرة.
وسلامتكو..!
سعيد بدران 1905
كفى تجريبًا للمجرَّب
تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.
طيب إذا القائمة المشتركة مش الحل، شو البديل اللي ممكن نشتغل عليه؟ المقال ركز على النقد، بس بدنا نعرف شو الاستراتيجية الواقعية والناضجة اللي ممكن تنجح.
والله كلامك صحيح يا أستاذ سعيد، الناس ملت من نفس الوجوه والأساليب القديمة. كيف بدهم يقنعوا الناخبين يروحوا يصوتوا وهم ما بغيروا شي؟