من الرقص على “تسلم الأيادي” الى البكاء على غياب ال”عدالة” في الملاعب!
#سعيد بدران
يثير القرف والدهشة معاً ذلك العويل الفاضح والنحيب المتصاعد الذي أطلقته حناجر إعلامية ومنصات “مستأنسة” وجماهير حزينة غاضبة حول ما أسموه “ظلم التحكيم وغياب العدالة الكروية” في مباراة منتخب مصر والأرجنتين.
هنا، وفي تسعين دقيقة من لهو العقول، تنتفض الضمائر فجأة، وتتحول الشاشات إلى ساحات للمحاكمة الأخلاقية، وتُذرف الدموع حزناً على صافرة حكم أو قرار تقديري عابر، بينما يسود صمت القبور وتتبلد المشاعر عندما يتعلق الأمر بمسالخ العدالة الحقيقية، وبحور الدماء التي غرق فيها الواقع المصري منذ الانقلاب العسكري.
إنه نفاق تتقيأ منه المبادئ؛ أن تجد من يبكون حزناً على خسارة مباراة، بينما كان منهم أنفسهم من رقصوا في الامس على أشلاء الضحايا، وصدحت حناجرهم بأغنية “تسلم الأيادي” السيئة السمعة، مشيدين بالقاتل ومباركين للمجرم يده التي صبغت شوارع مصر بالدماء. تلك الأغنية الفاشية التي لم تكن مجرد نغمات، بل صك غفران وتفويض بالقتل، أطلقتها أبواق النفاق لتبرير سحق الآدمية وإبادة الأحرار. كيف لمن صفق لـ”تسلم الأيادي” وهي تحصد أرواح الأبرياء في الميادين، أن يجرؤ اليوم على التباكي من أجل عدالة ضائعة في مباراة كرة قدم؟!
أين كانت هذه الأصوات المتباكية، وهذه النخوة المصطنعة، عندما ارتكب جنرال الدم #السيسي_العرص ونظامه أبشع المجازر البشرية في التاريخ الحديث؟!
لماذا ابتلع هؤلاء ألسنتهم وصمتوا صمت الموتى أمام محرقة ميدان رابعة العدوية والنهضة، التي حصدت أرواح أكثر من ألف شهيد في ساعات معدودة، وتحولت فيها الجثث إلى رماد تحت جرافات العسكر بينما كانت جوقة النفاق تعزف ألحان الفرح؟ أين كانت ضمائرهم المترهلة ولم نسمع لها بكاءً ولو همسًا على عشرات الآلاف من العقول المفكرة، وخيرة المتعلمين وأصحاب الكفاءات من أبناء مصر، الذين سحق النظام آدميتهم وتخلص منهم بدم بارد، ضارباً بعرض الحائط أدنى معايير الإنسانية والقانون؟
لقد صمتوا صمت القبور تفجعاً على دماء زكية سُفكت علانية، كمقتل الأيقونة الشابة أسماء البلتاجي برصاص قناص غادر، أو مقتل الدكتور عصام العريان والإعلامي محمود عبد الوارث بالإهمال الطبي المتعمد داخل الزنازين، أو التصفيات الجسدية التي طالت الآلاف من خيرة شباب الجامعات. يتباكون على عدالة المستطيل الأخضر، بينما تُنتهك الأعراض، ويُمارس التنكيل والتعذيب الممنهج واغتصاب الحرائر العفيفات في معتقلات السيسي دون وازع من دين أو قانون أو رجولة.
إن العدل هو أساس الملك، والحديث عنه لا يمكن تجزئته أو قصره على ركلة جزاء أو بطاقة صفراء في ملعب كرة قدم. ولأجل هذا المبدأ، لسنا بوارد اتهام حكم المباراة أو الدفاع عنه؛ فالأمر يتجاوز حدود الساحات الكروية، ليعري منظومة بأكملها اختزلت بلداً بحجم مصر في “بسطار” عسكري داس على الدستور وكرامة الإنسان.
بصراحة تامة، وبوعي يرفض الزيف والنسيان، لا حزن على خسارة كروية لمنتخب يرفع علم نظام قمعي استباح كل المحرمات. كيف يحزن أحرار مصر والعالم على واجهة تمثل نظاماً اغتال رئيس البلاد المدني المنتخب الشرعي محمد مرسي بدم بارد داخل قفص محاكمته الهزلية عبر منعه من العلاج والدواء؟ كيف نغفر أو نصفح عمن أباد الآلاف في رابعة والنهضة ورمسيس، ويواصل حتى اليوم تغييب وخنق أكثر من 60 ألف معتقل سياسي في زنازين الموت؟
إن قائمة الأحرار المغيبين في السجون تضم خيرة عقول مصر ونخبها السياسية والفكرية والعلمية؛ من المفكر والسياسي البارز الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، والمستشار هشام جنينة، والمهندس القامة خيرت الشاطر، والناشط علاء عبد الفتاح، والصحفيين والأطباء وأساتذة الجامعات الذين لُفقت لهم تهم “الإرهاب” فقط لأنهم رفضوا بيع ضمائرهم. فكيف يتعاطف حر مع منظومة تسجن البروفيسور وتكرم السجان، وتقتل العالم وترفع شأن الجاهل والقاتل؟
العدالة كلٌّ لا يتجزأ، ومن رضي بالظلم والمجازر وصمت عن سحق بلده واغتصاب حريته، بل وسبّح بحمد القاتل مردداً “تسلم الأيادي”، لا يحق له أن يتباكى على غياب العدل في ملاعب اللهو. باختصار شديد: إن مصر السيسي، التي تحولت إلى سجن كبير ومقبرة للعقول ومسلخ للحقوق، لا تستحق من الأحرار دمعة على شباك اهتزت أو خسارة كروية. لتذهب هذه السلطة الفاشية وكل من يمثلها إلى الجحيم، وستبقى دماء الشهداء وعذابات المعتقلين هي البوصلة الحقيقية التي لن تحيد عنها ضمائر الأحرار..!
سعيد بدران 1905
من الرقص على “تسلم الأيادي ” الى البكاء على غياب العدالة في الملاعب
تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.
كلام الكاتب في محله والله، الواحد بيغتاظ لما يشوف كيف الناس بتبكي على كورة وبتنسى اللي صار بأرض الواقع. النفاق صار مكشوف للكل.
المقال هذا يخلي الواحد يفكر، هل الناس فعلاً ما تشوف الرابط بين الظلم الكبير والصغير؟ ولا بس يختارون وين يعبرون عن غضبهم؟