- رؤية
- وعيٌ مسؤول
- سلسلة: “بناء الوعي وفقه الواقع”
- هذه المقالة يكتبها د. محمد طلال بدران – مدير دار الإفتاء والبحوث الإسلامية
- عنوان المقالة: (منابر الإصلاح أم منصات الإثارة؟)
- رقم المقالة في السلسلة: (14)
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد:
تمهيد:
في زمنٍ أصبحت فيه الكلمة تصنع وعي المجتمعات وتؤثر في اتجاهاتها، لم تعد قيمة المنابر بما تجذبه من انتباه، بل بما تصنعه من إصلاح. فبين منابر تهدي وتبني، ومنصات تثير وتفرق، يبقى السؤال: أي خطاب نريد أن نترك أثره في واقعنا؟
تعالوا بنا نسلط الضوء على هذا العنوان ونعالجه من خلال النقاط التالية: - أولًا: المنبر رسالة قبل أن يكون وسيلة
لم تكن المنابر في تاريخ الإسلام أماكن لإثارة الجماهير أو صناعة الضجيج، وإنما كانت مصانع للوعي، ومدارس للتربية، ومواطن لتزكية النفوس. فالأنبياء عليهم السلام لم يُبعثوا لإبهار الناس، وإنما لهدايتهم، ولذلك وجّه الله تعالى نبيه ﷺ بقوله: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (النحل: 125). فالمنبر يفقد قيمته حين يتحول من رسالة إصلاح إلى وسيلة لجذب الانتباه أو تحقيق الشهرة. - ثانيًا: عصر الإثارة… حين يعلو الضجيج على الحقيقة
في زمن الإعلام الرقمي لم تعد المنابر تقتصر على المساجد أو المدارس، بل أصبحت الهواتف ومنصات التواصل منابر يومية تؤثر في تشكيل الوعي الجمعي. غير أن كثيرًا من الخطاب المعاصر بات يقيس النجاح بعدد المشاهدات لا بعمق الأثر، وبمقدار الجدل لا بحجم الفائدة. وهكذا أصبح بعض الناس يبحث عن العنوان الصادم، والرأي المستفز، والخصومة المثيرة، بينما تتراجع لغة الحكمة والتثبت والإنصاف.
ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: 6). لأن الوعي يبدأ من التثبت، لا من سرعة النشر. - ثالثًا: الكلمة أمانة ومسؤولية
الكلمة في الإسلام ليست رأيًا عابرًا، بل أمانة يُسأل عنها صاحبها. قال رسول الله ﷺ: “إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالًا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم” (رواه البخاري).
ولهذا كان العلماء يعدّون الكلمة مسؤولية شرعية، لأن أثرها قد يمتد إلى آلاف الناس. فخطاب الإصلاح يبني الثقة، ويجمع القلوب، ويعالج المشكلات، أما خطاب الإثارة فيزرع الانقسام، ويغذي الكراهية، ويحول الاختلاف الطبيعي إلى صراع دائم. - رابعًا: كيف نعرف المنبر الإصلاحي؟
المنبر الإصلاحي لا يُعرَف بعلو الصوت، وإنما بصدق المقصد، ولا بكثرة المتابعين، وإنما بحسن التربية. إنه خطاب يستند إلى العلم قبل العاطفة، وإلى الدليل قبل الانفعال، ويوازن بين الثوابت الشرعية ومتغيرات الواقع، ويُعلي المصالح العامة، ويبتعد عن الشخصنة والتشهير، ويغرس ثقافة الحوار واحترام الاختلاف، ويُخرج الإنسان من دائرة ردود الأفعال إلى دائرة التفكير المسؤول.
وقد قال الإمام الشاطبي رحمه الله: “النظر في مآلات الأفعال معتبرٌ مقصودٌ شرعًا”، فليس كل ما يُقال حقًا يكون من الحكمة قوله في كل زمان ومكان، وإنما تُراعى المآلات والمصالح والمفاسد. - خامسًا: الوعي… أعظم مشروع للإصلاح
لقد حاولت هذه السلسلة، “بناء الوعي وفقه الواقع”، أن تؤكد أن الأزمات الكبرى لا تبدأ من ضعف الإمكانات، بل من اضطراب البوصلة، وأن إصلاح الواقع يبدأ بإصلاح طريقة التفكير، وأن الوعي ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة شرعية وحضارية، وأن فقه الواقع لا يعني الاستسلام له، وإنما فهمه لفهم واجبنا تجاهه.
فالإنسان الواعي أقل عرضة للتضليل، وأكثر قدرة على التمييز بين الحق والباطل، وبين الثابت والمتغير، وبين الاختلاف المشروع والانقسام المذموم. - ختام السلسلة: من الوعي تبدأ النهضة
ونحن نطوي صفحات هذه السلسلة، فإن الرسالة التي نرجو أن تبقى هي أن بناء الوعي ليس مشروع كاتب، ولا مهمة مؤسسة، ولا مسؤولية نخبة، بل هو واجب أمة بأكملها. فحين يرتقي الوعي يرتقي الفكر، وحين يرتقي الفكر يصلح السلوك، وحين يصلح السلوك ينهض المجتمع، وتستعيد الأمة قدرتها على أداء رسالتها. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
فلنجعل منابرنا منابر بناء، وكلماتنا جسورًا للوعي، وأقلامنا أدواتٍ للإصلاح، حتى يبقى الحق هاديًا، والعلم قائدًا، والوعي أساس كل نهضة، وصدق الله العظيم: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 105).
ولكم مني التحية والسلام. - “اللهم اجعل كلماتنا نورًا، ومنابرنا اصلاحًا، واملأ قلوبنا هداية ووعيًا”
- على موعدٍ مع سلسلةٍ جديدة إن شاء الله
- للمزيد من المقالات: (رابط قناة: وعي بلا ضجيج) https://whatsapp.com/channel/0029VbC30HGKGGGEoyAovI2P
مقالة رقم: (2383) -
- محرّم. 1448 هـ
- السبت، 11.07.2026 م
باحترام: د. محمد طلال بدران (أبو صهيب)
منابر الإصلاح أم منصات الإثارة؟
تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.
شاركنا تعقيبك ثم اضغط «انشر».
لا توجد تعقيبات بعد. كن أول المشاركين.