ثلاثية الجنوب
الفيلم الجديد هو الحلقة الثانية من ثلاثية “أنا يوسف يا أبي” السينمائية التي بدأها بفيلمه “عيد”. هو أيضا فيلمه العاشر على التوالي ضمن مسيرة تجمع بين التوثيق العميق ذي الدلالات الثقيلة والروائية السينمائية الملتحمة بالواقع اليومي. وهذا ثاني أعماله الروائية الطويلة بعد أن أرسى مع “عيد” ملامح لغة بصرية خاصة به.
يروي “الفيلم الجديد” حكاية بطل، يعيش في رهط داخل غرفة بمنزل والديه، مع زوجته أميرة وأطفاله الثلاثة. يمتلك متجرا بالشراكة مع أخيه الأكبر، ويعمل حاليا سائقا لشاحنة والده، وبدأ ببناء منزل لنفسه كما كان يحلم. يطلب منه بعدها التنازل عن هذا المنزل لصالح والده محمد وزوجته الجديدة. محاولاته المستميتة لتفادي هذا القرار المصيري تصطدم بجدار الواقع. خلاف يتفجر بينه وبين أميرة تتهمه فيه بالتخلي عن عائلته، وينطلق يوسف في رحلة يائسة، يزيد فيها سرعة القيادة حتى يتسبب بحادث يصاب فيه بجروح بالغة. بعد فترة طويلة من إعادة التأهيل يعود إلى بيته ليكتشف أن وضعه ازداد سوءا. وقت ضائع مع أطفاله وعائلة لا تزال حبيسة غرفة صغيرة إضافة إلى متجر أغلق تحت ثقل الديون.
هذه الحبكة هي مرآة لصراع أعمق بين حق الإنسان في بيت يخصه وثقل البنية الأسرية والاجتماعية التي تعيد توزيع الملكية والمكانة وفق منطقها الخاص. وهذا تحديدا هو الصراع الذي يتقاطع مع ما طرحه يوسف نفسه في تأملاته حول فيلمه الأول “عيد”، إذ تحدث عن الحرية كمفاوضة دائمة بين تطلعات الفرد ومتطلبات الجماعة. كما تحدث أيضا عن الجذور التي تمنح الإنسان ثباتا ومعنى، وقد تتحول إلى قيود إن لم يحسن الإنسان التعامل معها. في “عيد” كان الصراع يدور حول شاب يبحث عن مكانه. وفي ثلاثيته “أنا يوسف يا أبي” يبدو الصراع صراع رجل بالغ، يكتشف أن المسافة بين الحلم والامتلاك ما تزال محروسة بالتقاليد ذاتها.
سينما لا تستجدي الشفقة
اللافت في مقاربة يوسف، هو رفضه الحلول السهلة والهروب نحو عوالم متخيلة بعيدة عن صعوبة الواقع. سينماه لا تكتفي بعرض الجميل في المجتمع البدوي، إنما تطمح إلى تغيير نظرة الجمهور الواسع إليه، ومنحه المكانة التي يستحقها على خشبة التاريخ الاجتماعي والثقافي. سينما ترى في الكسر نفسه فرصة للتجدد، تماما كما استحضر يوسف مفهوم “الكينتسوجي” الياباني، فن ترميم الفخار المكسور بخيوط من الذهب بحيث يصبح الكسر جزءا من قيمة القطعة وجمالها. بهذا المفهوم يصف يوسف قدرة الإنسان على النهوض من انكساراته أقوى مما كان.
هذا المنهج يضع يوسف أبو مديغم في حوار مع كبار صناع السينما العالمية، أولئك الذين أسسوا للإبداع السينمائي بوصفه فلسفة. من مارتن سكورسيزي رائد سينما الجريمة والواقعية النفسية الأميركية، إلى ستيفن سبيلبرغ مؤسس سينما الخيال والملحمية المعاصرة. ومن الإيطالي برناردو برتولوتشي رائد السينما الشاعرية والسياسية، إلى السويدي إنغمار برغمان وصولا إلى السنغالي عثمان سيمبين الملقب بـ”أبي السينما الأفريقية” إضافة إلى المعلم يوسف شاهين. تتقاطع تجربة أبو مديغم مع هذا الإرث السينمائي من زاوية واحدة جوهرية، السينما الحقيقية لا تروي حكاية محلية فقط، ولكنها تعيد السؤال عما يعنيه أن نعيش حياة كريمة، وما الذي يجعل مجتمعا ما متكافئا في نظر ذاته وفي نظر الآخرين.
الفارق الذي يمنح تجربة يوسف طابعها الخاص أنه لا يقتبس من هذا الإرث، ولكنه يحاوره من موقعه الخاص من قلب الجنوب ورهط تحديداً. بهذا يعبر المسافة الرمزية التي رسمها بنفسه، مسار يبدأ من الهامش الجغرافي والاجتماعي، مساره من بئر السبع والعراقيب وحتى القدس، ليطالب بمكان في قلب الخريطة الثقافية.
ما يميز يوسف أبو مديغم ليس إنتاجه الغزير وحده، هو إصراره على أن يبنى هذا الإنتاج من الداخل. مخرج من رهط يوثق ناسه، ويدرس أبناء جيله ويدير مهرجانه ويكتب عن تجربتهم في أطروحة أكاديمية. حلقة متكاملة تجعل من ثلاثية “أنا يوسف يا أبي” أكثر من رواية عائلية عن ميراث وبيت. استمرار لمشروع طويل النفس يسعى إلى أن يكون الجنوب، ولأول مرة بهذا الحضور صانع خطابه السينمائي عن نفسه، لا موضوعا يروى عنه من الخارج.
الفيلم الجديد للأستاذ يوسف مبين إنه قصة قوية ومؤثرة جداً، خصوصاً مع تفاصيل الصراع العائلي على البيت. يا ترى كيف ممكن يوسف البطل يتصرف مع قرار أبوه وزوجته الجديدة؟
فعلاً، آن الأوان إن قصصنا تتروى بأيدينا وعيون أهلها. مبادرة الأستاذ يوسف أبو مديغم وجهوده في معهد رهط للمسرح دليل واضح على إنه في جيل جديد بيقدر يغير ميزان السرد.