بئر السبع تقود نهضة الجنوب؟ مهرجان مايكروسوفت لسباقات الهجن
كتابة وتصوير: كايد توفيق أبو الطيف
تسعى بئر السبع أن تكون واجهة الجنوب في اقتصاد المعرفة، جامعة تتقاطع مع مراكز البحث، ومناطق صناعية تلتقي بحاضنات الابتكار، واستثمارات معرفية تتوسع بالتوازي مع برامج العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM). خلف هذا التوجه فرضية واحدة مفادها بأن النمو المقبل يقوم على إنتاج المعرفة لا على رأس المال المادي وحده. لكن هذا التحول لا يقاس بعدد الشركات الناشئة أو المختبرات وحدها، بئر السبع مركز إداري وأكاديمي لإقليم يمتد إلى رهط، أكبر مدينة عربية بدوية في البلاد وإلى تل السبع وحورة وكسيفة واللقية وشقيب السلام إضافة إلى عشرات التجمعات البدوية من بينها قرى مسلوبة الاعتراف ما تزال بلا بنية تحتية أساسية. فيما يسأل تقرير البنك الدولي “وظائف المستقبل” من يدخل اقتصاد المعرفة ومن يبقى خارجه؟ وبالمناسبة التقرير متاح مجانا بترخيص المشاع الإبداعي الذي يقع في 216 صفحة، من تأليف عمر آرياس وآخرون، بعنوان “وظائف المستقبل: الروبوتات، والذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية في شرق آسيا والمحيط الهادئ”. يعامل التقرير الفجوة الرقمية كقضية تنموية لا تقنية. الاتصال بالإنترنت والأجهزة لا يكفيان دون تعليم نوعي ومهارات رقمية ومؤسسات تحول المعرفة إلى فرصة. والأتمتة لا “تستثني” المناطق الأقل جاهزية من أضرارها، هي تستثنيها من مكاسبها فقط بينما تبقى وظائفها الروتينية الأكثر عرضة للانكماش أو الانتقال إلى مناطق أخرى. ولا يكتمل نجاح بئر السبع بترسخها مركزا للابتكار، ولكن بقدرتها على تصدير هذا التفوق إلى محيطها. المعرفة التي تتركز دون أن تنتشر لا تبني إقليما تبني جزيرة.
جزيرة معزولة
تنتهج بئر السبع بقيادة رئيس بلديتها روبيك دانيلوفيتش، استراتيجية بحث وابتكار عبر شراكات مع الجامعات والدولة والقطاع التقني. أما رهط، بقيادة رئيس بلديتها طلال القريناوي، تواجه تحديات أعقد. تركيبة سكانية شابة ومستويات تعليم متفاوتة وفجوات اجتماعية واقتصادية موروثة. مقارنة المدينتين بمؤشرات الاستثمار وحدها هي مقارنة مجحفة لأنها تتجاهل اختلاف نقطة الانطلاق. غير أن اختلاف الظروف لا يعني اختلاف المصير. اقتصاد المعرفة لا يعرف حدودا بلدية، يقوم على تكامل الأسواق ورأس المال البشري. وفي حال تحولت بئر السبع إلى جزيرة تكنولوجية وسط محيط ضعيف المهارات، خسر لواء الجنوب كله جزءا من تنافسيته. وإن تحسن التعليم في رهط وتل السبع وحورة وكسيفة واللقية وشقيب السلام، اتسعت قاعدة الكفاءات وازدادت بئر السبع نفسها قدرة على الاستقطاب بدل اعتمادها الدائم على كفاءات مستوردة. التحدي ليس مزيدا من المباني الذكية، ولكن منظومة لوائية تشارك فيها الجامعات والسلطات المحلية ووزارة التربية والتعليم، بحيث يصبح تعليم STEM مسارا متصلا من مدارس النقب إلى أسواق عمله. يكشف التقرير كذلك أن المستقبل لا يحدده تخصص منفرد ولكن القدرة على الدمج بين تخصصات، وحل المشكلات المعقدة والحكم المهني والعمل الجماعي متعدد التخصصات، مطلوبة بقدر البرمجة وتحليل البيانات. الفلسفة تسأل الأخلاقيات، والقانون ينظم المساءلة، وعلم الاجتماع يفسر التحولات في سوق العمل، والتربية تبني تعاملا نقديا مع المعرفة الرقمية. لم تعد المسألة اختيار تخصص “ينجو” من الآلة، ولكن اختيار مسار يمنح صاحبه قدرة متجددة على التعلم وإعادة بناء مهاراته.
مصير واحد
قد يسأل قارئ في تل الملح أو رهط أو تل عراد، ما شأننا بتقرير البنك الدولي؟ يقدم البنك الدولي إطارا لفهم كيف تعيد الآلة تشكيل سوق العمل وهو إطار يصلح لكل اقتصاد يمر بتحول تقني متسارع وسط فجوات تعليمية وبنية رقمية ناقصة. وهو بدقة وصف حال الجنوب. بين 2018 و2022، أفقد اعتماد الروبوتات نحو 1.4 مليون وظيفة روتينية منخفضة المهارة في الدول التي درسها التقرير، لكنه استحدث نحو 2 مليون وظيفة جديدة لعمال مهرة في مهام غير روتينية. ربح العامل المتعلم القادر على التكيف بينما خسر العامل الروتيني الذي غالبا ما ينزلق للاقتصاد غير الرسمي. المنصات الرقمية من التوصيل إلى العمل الحر تمثل بين 5% و7% من الناتج المحلي في معظم دول المنطقة وفتحت فرصا للشباب والنساء، لكنها توظف خارج مظلة الحماية الاجتماعية التقليدية. الدول والمناطق التي تفتقر إلى إنترنت سريع وأجهزة ومحتوى تعليمي رقمي لا “تستثنى” من الأتمتة، ولكنها تستثنى من الاستفادة منها وتبقى عرضة لأضرارها عبر انتقال الوظائف الروتينية إلى مناطق أجهز. لا حياد تكنولوجي، إما أن تدخل منطقة ما القيمة المضافة الجديدة أو تخرج من المعادلة كليا. وبذلك تحمل بئر السبع بوصفها عاصمة النقب الإدارية وحاضرتها الأكاديمية مسؤولية مضاعفة، فيها جامعة بن غوريون ومراكز تقنية ناشئة، وحولها بلدات تعاني فجوات تعليمية وبنية رقمية أقل تطورا. والاستثمار في مركز تقني حضري لا يرفع مستوى المنطقة كلها، ما لم يرافقه استثمار مواز في المهارات الرقمية والتعليم الأساسي في المجتمع العربي في النقب المحيط ببئر السبع. وتبقى الخدمات اللوجستية والإدارية والتصنيع الخفيف في المدينة ومحيطها الأكثر عرضة للأتمتة، وهو ما يستدعي إعادة تأهيل مسبقة لهذه القوى العاملة قبل أن يفرض التحول نفسه بشكل مفاجئ.
لا انطباعات
تظهر بيانات دائرة الإحصاء المركزية أن الفجوة الرقمية بين المجتمعين اليهودي والعربي ليست تفصيلا، نسبة استخدام الإنترنت بين اليهود من سن 20 فما فوق تفوق نظيرتها بين العرب بفارق يقارب 11 نقطة، ويتسع الفارق أكثر في التجمعات البدوية مسلوبة الاعتراف، حيث تغيب شبكات الإنترنت والخدمات الرقمية الحكومية عن مناطق واسعة بالكامل. جزء من سكان الجنوب ما يزال خارج نقطة الانطلاق نفسها، ومحو الأمية الإلكترونية لا التقليدية وحدها هو الشرط الأول للدخول إلى سوق العمل الذي يصفه. وفي المقابل تشهد المدارس البدوية في لواء الجنوب اهتماما متزايدا بمواضيع “الستيم” وتدرج بلدات فيه ضمن برنامج قومي للتميز بالمناطق الهامشية. لكن هذا لا يغني عن قراءة للفجوة الفعلية بين المجتمعين العربي واليهودي من حيث الموارد والمخرجات لا الشعارات. ما يحصل عليه طالب في لواء الجنوب ليس بالضرورة ما يحصل عليه طالب آخر من نفس اللواء رغم انضوائهما تحت المظلة الإدارية نفسها. وقيام برنامج شكليا لا يعني أن السقف الزجاجي بين مخرجات التعليم ارتفع فعليا.
ماذا حصلت عليه بلديتك؟
يتقاسم رئيسا بلديتي بئر السبع ورهط مسؤولية واحدة تجاه لواء واحد، لا يجوز أن يبقى الخطاب البلدي حبيس سؤال ماذا حصلت عليه بلديتي؟ ولكن ينبغي أن ينتقل إلى ماذا نفعل معا من أجل الجنوب كله؟ لن تحل جزيرة بئر السبع تحديات النقب بمفردها، ولن تحلها جزيرة رهط بمفردها كذلك، الحل في تضافر بنية بئر السبع الأكاديمية والتقنية مع الكتلة السكانية الشابة في رهط وبقية بلدات اللواء. لم يعد سؤال ما المهنة التي أريدها؟ كافيا وحده. يليه سؤال آخر هل تقوم هذه المهنة على مهمة روتينية تؤديها آلة خلال 10 سنوات؟ الوظائف الروتينية وخدمة العملاء النمطية الأكثر ضعفا أمام الروبوتات والذكاء الاصطناعي معا. أما التمريض المتخصص، والهندسة التطبيقية، والتعليم، والصيانة التقنية المتقدمة، وهي المهن التي تجمع مهارة تقنية بتواصل إنساني معقد، هي الأكثر مواجهة للاستبدال في المدى القريب والمتوسط بحسب البنك الدولي. ولا يختار التخصص بناء على الطلب الحالي وحده إنما بناء على مهارات معرفية غير روتينية يصعب برمجتها. المهارات الاجتماعية الانفعالية مثل التعاون وضبط النفس وحل المشكلات، تتعلم عبر برامج مدروسة ولا تبقى موهبة فطرية، وهذا بحد ذاته باب مفتوح لأي طالب بصرف النظر عن خلفيته.
سؤالان لكل خريج
ليسأل شاب شقباوي قبل أن يسجل في جامعة أو كلية، هل يقوم تخصصي على تكرار مهمة واحدة يوميا، أم على حكم وتقدير وتكيف مستمر؟ وإن كان من النوع الأول، قيمته السوقية تنكمش خلال سنوات الدراسة نفسها لا بعد التخرج فقط. هذا لا يعني ترك المهن التقنية، ولكن اختيار مسارها الأكثر تطورا، فني صيانة الروبوتات أفضل من عامل خط التجميع، ومبرمج التطبيقات أفضل من مدخل البيانات. ولتنظر خريجة تلاوية إلى فرصة يشير إليها التقرير صراحة. فتحت المنصات الرقمية والعمل عن بعد مجالا للنساء بفضل مرونة الوقت والمكان، قد يتجاوز بعض القيود اللوجستية التي تعيق العمل التقليدي بدوام كامل خارج البلدة. لكن الفرصة تشترط مهارة رقمية قابلة للتسويق فعليا. لا شهادة نظرية، سوق العمل الذي يصفه التقرير لا يكافئ الشهادة، ولكن المهارة القابلة للتطبيق الفوري. وتقرير “وظائف المستقبل” أداة تحليلية، لا نبوءة ولا وصفة جاهزة لجنوب البلاد. فائدته لأهل النقب في تبني منهجيته والتمييز بين الجدوى التقنية والاقتصادية، والتركيز على المهارات الثلاث القابلة للتطبيق محليا لا في نقل أرقامه كما هي. المسؤولية الآن مشتركة بين مؤسسات التعليم في بئر السبع ورهط وسائر بلدات الجنوب، والطالب نفسه يقرأ التحول التكنولوجي واقعا قادما لا محالة، لا تهديدا ولا وعدا مضمونا يمكن التأثير فيه إن بدأ الاستعداد له اليوم قبل أن تحسم الخيارات بفعل الغياب لا بفعل الاختيار. ولا تقدر جزيرة بئر السبع متقدمة مهما بلغ ازدهارها على حمل مستقبل الجنوب بمفردها، التكامل بين مكوناته لا التنافس بينها هو ما يمنح “وظائف المستقبل” معنى عمليا في هذه البقعة من العالم.
بعد المهرجان
المهرجانات المتكررة التي تنظمه شركات التقنية في بئر السبع وتحمل كل مرة شعار عملاق مختلف، مايكروسوفت اليوم، وقد تكون تسلا أو غيرها في المرة القادمة. المشكلة ليست في مبدأ شراكة شركة تكنولوجيا فائقة مع فعالية محلية، ولكن في الظن أن استعارة الاسم ليوم واحد تعادل استثمارا في مستقبل اللواء والاقليم. السؤال الذي لا يطرح غالبا وهو الأهم لا يتعلق بيوم المهرجان ولكن باليوم الذي يليه. هل تعرف مايكروسوفت طلاب رهط بالقدر الذي تعرف به أطفال لهابيم أو كيبوتس شوفال؟ هل ثمة برنامج تدريب متصل، أو منحة دراسية، أو مسار توظيف فعلي، يربط الشركة بمدارس اللواء العربية بقدر ارتباطها ببرامجها المعتادة في التجمعات اليهودية المحيطة، أم يقتصر حضورها في رهط وكسيفة على صورة تلتقط عند خيمة بدوية، بينما يبقى الاستثمار الحقيقي في المنح والتدريب والتوظيف موجها إلى الجهة الأخرى من الخريطة؟ لا ضرر في مهرجان يرفع شعار شركة عالمية، الفعاليات الرمزية ليست جريمة لكن الشعار وحده لا يبني جسرا، والصورة التي تنشر بعد الحفل لا تساوي برنامج تدريب واحدا يستمر بعده أسبوعا وأكثر. وما لم تتحول هذه الفعاليات الاستثنائية من موعد يتكرر إلى التزام سنوي قابل للقياس والمساءلة، ستبقى رغم حسن نيتها المفترض، جزءا من مشهد العلاقات العامة لا من معادلة “وظائف المستقبل”.
كلام الكاتب عن الفجوة الرقمية وأهمية التعليم النوعي والمهارات الرقمية صريح وواقعي جداً. كثير من أهلنا بالقرى بحاجة لدعم أكبر بهالمجال عشان ما نضل برا سباق اقتصاد المعرفة.
المقال بيوضح نقطة حيوية بخصوص بئر السبع كمركز معرفي، بس كيف ممكن نضمن إن هالنجاح ما يكون جزيرة معزولة؟ التكامل مع القرى المجاورة مثل رهط وتل السبع هو الأساس لنهضة حقيقية للجنو…