إنتاج معرفة بئر السبع؟ قاموس مستعار وعلم محجوب

إنتاج معرفة بئر السبع؟ قاموس مستعار وعلم محجوب

إنتاج معرفة بئر السبع؟ قاموس مستعار وعلم محجوب
كتابة وتصوير: كايد توفيق أبو الطيف

تنشأ تجربة معقدة عند اجتماع الصدمة اللاحقة للحدث بالنشوة والمرونة النفسية، مزيج من تصورات وردود فعل متناقضة. يتأرجح الإنسان بين خوف يقض مضجعه ورغبة في الإصلاح، وحتى انجذاب للألم بوصفه مصدرا للإدراك. لا ينهار الجسد والعقل تماما، ويعيشان في تلك الفجوة الدقيقة بين البقاء والصحوة المستمرة. والعمل على إضفاء الشرعية على لغة مكسورة تحاول التعبير عن تجارب صعبة هو الخطوة الأولى في الشفاء، اللغة بهذا المعنى جسر لإعادة تشكيل الواقع الداخلي والاجتماعي معا. وإذا كان لهذا الانكسار نظير على مستوى الجماعات لا الأفراد، فهو المساواة بين لغتين من عائلة واحدة تحملان هويتين مختلفتين تماما، العربية والعبرية. حروف مشتركة تذكرنا بأن الفجوات في الاستخدام لا في الجوهر. ويمكن تشبيه لقاء شعبين في بلد واحد بنهر قديم هائج حينا وهادئ أحيانا كثيرة، لكنه يعبر دوما بين ضفتيه ويربط بينهما. صراع بين البقاء والازدهار، وفي عالم تحدده الصراعات تصبح الحاجة إلى رؤى تبني الجسور حاجة ملحة.

كنت طفلا عندما حلمت بأن أصبح سائق شاحنة لأواصل تقاليد العائلة، ووالدي الذي كان يعرف كل متجر “كوكاكولا” على الطريق الواصل بين بئر السبع والعريش ورفح ويافا وبني براك، ويعرف مكان كل عطل في الشاحنة وكيفية إصلاحه بيده. لكن والدتي لم توافق، ووجهتني إلى شعبة “الجوري” في “الرازي” لا لشيء إلا أن الجوري عالمها. هناك اكتشفت عالما من الروابط ورحلة التقت فيها الكيمياء المعاصرة بالقديمة، لتنشآ جسرا بين الماضي والحاضر والمستقبل، ومسيرة هوية تتحول فيها المادة إلى استعارة للجوهر وتمنحنا نظرة إلى إمكان الجمع بين رقة الذاكرة وقسوة الواقع. هذه العلاقة بين الكلمة والهوية ليست شأنا فرديا كما تحتاج الصدمة إلى لغة خاصة بها لتقال وتشفى. كما تحتاج الشعوب أيضا إلى لغة خاصة بها لتفكر وتنتج معرفتها، وعندما تصاغ مفاهيم مجتمع بألسنة غيره، يتكرر السؤال نفسه على مستوى أوسع. من يملك الكلمة يملك القدرة على تسمية ألمه وعلمه ونفسه. ولا مكان يكشف هذه المعادلة كما تكشفها علاقة اليابان مع كوريا.

سلطة الكلمة
“أنتجت اليابان المعرفة، واستهلكت كوريا نسخة مفرغة منها”، هذه الجملة صحيحة في جزء منها فقط، ومبسطة إلى درجة الخطأ إن تركت وحدها. كوريا لم تكن “صفحة بيضاء” وفي القرن الخامس عشر، أنشأ الملك سيجونغ أكاديمية تشوسون الملكية وابتكر أبجدية “هانغول” ورفع الأستاذ جانغ يونغ سيل من الفقر ليطور ساعات مائية وطباعة معدنية متحركة. وعندما فرضت اليابان استعمارها على شبه الجزيرة (1905-1910)، لم تنقل المعرفة بقدر ما أعادت توزيع من يحق له إنتاجها. كان اليابانيون الأطباء والمهندسين، بينما كان الكوريون الأيدي العاملة حتى ان نسبة الملمين بالقراءة والكتابة عند نهاية الاستعمار لم تتجاوز 5%. وطبقة أعمق وأقل وضوحا، عندما ابتكر اليابانيون في عصر ميجي كلمة “كاغاكو” للدلالة على “العلم”، انتقلت المفردة لاحقا إلى الكورية “غواهاك” والمفهوم الذي يفكر به الكوريون اليوم في “العلم” ذاته وصلهم عبر بوابة غيرهم. ومن يملك سلطة تسمية المفاهيم يملك ولو جزئيا سلطة التفكير بها. والعربية أيضا لم تعف من هذا القانون، “فلسفة” معربة من اليونانية دون ترجمة، و”كيمياء” من “خيميا” اليونانية المصرية، والاستعارة اللغوية ليست عيبا كوريا خاصا، ولكنه شرط عاشته أغلب اللغات عن مصدر حداثتها. وبعد معاهدة التطبيع عام 1965، دخلت كوريا حقبة “التلمذة الصناعية” بالترخيص والاستيراد بدل الابتكار، وفق استراتيجية “المتابع السريع” المتمثلة في مراقبة من يخترع أولا وتحسين اختراعه بسرعة أكبر. حتى سامسونغ نفسها رمز الصناعة الكورية عالميا عندما أرادت تجاوز هذا النموذج لم تلجأ إلى اليابان، وذهبت إلى أكاديمية العلوم الروسية، مستفيدة من منهجية سوفياتية لحل المشكلات الابتكارية بتكلفة منخفضة نسبيا.

النتيجة: 27-0
كوريا خامس أكبر مستثمر عالمي في البحث والتطوير، والثانية عالميا في نسبة الإنفاق على البحث العلمي إلى الناتج المحلي بعد إسرائيل فقط. لكن يبقى غيابها التام عن جوائز نوبل العلمية مقابل رصيد ياباني يقترب من ثلاثين جائزة، فجوة يفسرها الباحثون الكوريون أنفسهم بحداثة عهدهم بالاستثمار الجاد في العلوم الأساسية لا بنقص الإمكانات. والمتابع السريع قد يتفوق تجاريا لكن العلم الأساسي لا يبنى على تحسين منتج قائم، ولكن على أسئلة لم يطرحها أحد من قبل، وهذا سقف لا تكفي لتجاوزه ميزانية وحدها. أنما تراكم مؤسسي يمتد أجيالا. والمفارقة أن السباق التاريخي بين “منتج المعرفة” و “مستهلكها” يصطدم اليوم بعدو مشترك لا صلة له بمن سبق من، المتمثل بالشيخوخة التي تهدد اليابان بقنبلة موقوتة في قاعدة باحثيها وتهدد كوريا الأصغر سنا بمصير أكثر تطرفا وأسرع بكثير إذ تراجع معدل الخصوبة فيها إلى 0.7 مولود لكل امرأة وهو الأدنى عالميا. كما أن القصة لا تنحصر في الخط الناظم من التبعية إلى الاستقلال، إنما هي طبقات متداخلة من الإرث والمصادرة والتبعية اللغوية، يصطدم آخرها بفجوة لم تغلق بعد. والسؤال الذي يستحق أن يطرح مجددا، هل يستمر مجتمع يشيخ بسرعة مهما بلغ تراكمه في إنتاج معرفة جذرية جديدة؟ وهذا تحديدا ليس بعيدا عن سؤال المعرفة لدى الجماهير العربية في البلاد، إنما مرآة له وصلب الحكاية.

نموذج عربي.. أخيرًا؟
لا يقتصر النموذج المعرفي على العلوم الدقيقة، ويمتد إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية. وعادة يعمل العلماء داخل نموذج مستقر يحلون “ألغازه” اليومية إلى أن تتراكم ظواهر يعجز عن تفسيرها وينتقلون إلى نموذج جديد، كما حدث من نيوتن إلى أينشتاين. وتحتاج الجماهير العربية التي تشكل 21.1% من السكان إلى عرض نموذج خاص بها لسبب يبدأ برقم لافت، وبحسب أحدث تقارير مجلس التعليم العالي، بلغ عدد الطلاب العرب في مؤسسات التعليم العالي 63,140 طالبا وطالبة، أي 19% من المجمل، بعدما كانوا 10% فقط عام 2010. هذا ارتفاع حقيقي لكل المقاييس لكنه يفتقر إلى نموذج يوجه أبحاث اللقب الثاني والثالث لخدمة احتياجات المجتمع العربي نفسه بدل ذوبانها الكامل في نماذج عامة لا تضع خصوصيته في سلم أولوياتها. هذه الحاجة تبدو أكثر وضوحا مع بيانات دائرة الإحصاء المركزية التي تكشف فجوة حادة في التشغيل، إذ لا تشارك في سوق العمل سوى 33.7% من النساء العربيات، مقابل 65.8% من اليهوديات. ونموذج اقتصادي اجتماعي بأيدي باحثين عرب من شأنه أن يفهم المعوقات الهيكلية وراء هذا الرقم المتمثل في غياب المناطق الصناعية في البلدات العربية، ونقص المواصلات، ويقترح حلولا تنبع من داخل الواقع لا من خارجه. الأمر نفسه يتكرر في تشخيص الأزمات الاجتماعية، إذ تميل المؤسسات الرسمية إلى تفسير العنف والجريمة في المجتمع العربي من منظور أمني نمطي، بينما نموذج من داخل المجتمع نفسه يعيد ربط هذه المسببات بالتهميش الاقتصادي وضيق المساحة العمرانية، وينتج معرفة قادرة فعلا على الحل لا وصف يتكرر كل عام.

قاموس مستعار
تظهر معطيات بنك إسرائيل أن نحو 10% من الطلاب العرب يتجهون إلى التدريس بسبب محدودية الخيارات الأخرى أمامهم لا بحكم الشغف وحده. نموذج علمي يسلط الضوء على القطاعات الواعدة كفيل بأن يوجه هذه الطاقة الشابة نحو الهايتك والعلوم الدقيقة، بدل حصرها في قطاع يعاني أصلا فائضا في القوى العاملة. وهذا يهم أكثر إذا تذكرنا أن المجتمع العربي مجتمع فتي بامتياز. نسبة من هم دون الثامنة عشرة فيه نحو 43%، مقابل 32% في المجتمع اليهودي، جيل كامل ينتظر أن يقرر إلى أين توجه طاقته. لكن الرقم الأكثر دلالة يظهر عندما ننتقل من سؤال “من يدرس” إلى سؤال أدق، من ينتج المعرفة؟ بين عامي 2005 و2024، ارتفعت نسبة أعضاء الهيئة الأكاديمية العرب في الجامعات الاسرائيلية من 1.8% إلى 5.4% فقط، بينما لم تتجاوز نسبتهم في الهيئة الأكاديمية الكبيرة تحديدا أي من يملك سلطة تحديد الأسئلة البحثية، والإشراف على الرسائل، وصياغة المناهج، والتصويت في المجالس الأكاديمية إلى 4.3%، بعد أن كانت 1.3% فقط قبل عقدين. والفارق بين هذين الرقمين هو تحديدا الفارق بين الحضور وسلطة التسمية.

الطالب.. اليوم
الطالب العربي متواجد اليوم بكثافة داخل قاعات المحاضرات والمختبرات، لكنه غائب في الغالب عن الغرفة التي تقرر فيها أسئلة المحاضرة نفسها. هذه النسب ليست جدارا صماء، هناك رؤساء أقسام ومراكز بحثية عربية بأكملها في العلوم الاجتماعية والإنسانية والقانون والطب، وتراكم فعلي في طب الأسرة والصحة العامة، حيث بدأت تتشكل أطر بحثية تنطلق من أولويات المجتمع لا من أجندة خارجية عنه وبعضها نتاج عقود من عمل صامت لم يطلب صخبا إعلاميا كي يستحق الاعتراف. لكن هذا عل أهميته يقتضي أيضا الاعتراف بأن هذه الجزر مهما بلغت جودتها الفردية، لم تتكثف بعد إلى ما يستحق وصف “النموذج”، بالمعنى الذي يحدد أسئلة حقل بأكمله لا إجابات متفرقة داخله وإن كانت ممتازة. النموذج العلمي لا يقاس بعدد الأبحاث الجيدة، ولكن بالقدرة الجماعية على طرح إطار جديد يعاد بموجبه تعريف المشكلة قبل الحل، وهذا فارق بين التفوق الفردي والسيادة المعرفية لا حكم على قيمة الأفراد أنفسهم. هذا النموذج عندما يتشكل يوما، لن يكون أداة نهوض ذاتي فحسب، ولكنه شرط للحياة المشتركة الحقيقية. البلاد لا تبنى بيد واحدة، والمواطن العربي عندما يقول إنه ابن هذا الوطن لا يكتفي بالمطالبة بحقه في تلقي العلم ولكنه يطالب بحقه في صناعته.

بلدي.. فندقي
يبقى الحديث عن نموذج عربي ناقصا ما لم يواجه عائقا يسبق أي نقاش أكاديمي، الحقوق الفعلية في التوظيف وإدارة المدارس والمرافق العامة، في كثير من البلدات محفوظة للعائلات الكبرى دون سواها، ولا يبقى أمام العائلات الصغيرة إلا أن تتخذ من بلدتها فندقا للمبيت لا أكثر. وإذا أراد شاب من عائلة صغيرة التدرج الوظيفي، لن يجد داخل بلدته ما يبحث عنه ويختار رغما عنه القدس أو تل أبيب أو حيفا، أي مكان في البلاد إلا بلدته هو، التي تمنح الأولوية للمقربين من الائتلاف البلدي أولا، وللعائلات الصغيرة إن بقي مكان. هذا ليس تفصيلا هامشيا ولكنه الطبقة التي يبدأ عندها كل نموذج معرفي أو ينتهي قبل أن يبدأ، السلطة على المعرفة كما تكشف حكاية اليابان وكوريا ليست سلطة تسمية المفاهيم الكبرى وحدها، ولكنها سلطة أصغر وأقرب. من يقرر من يوظف في مدرسة الحارة، ومن يدير المرفق العام فيها، ومن يمنح فرصة البقاء ليبني بدل أن يهاجر ليعمل. صادر الاستعمار الياباني سلطة إنتاج المعرفة من كوريا كلها، والعائلة عندما تقفل بلدة بأكملها على نفسها، تكرر المصادرة نفسها على نطاق أضيق لكن بالمنطق ذاته، من لا يملك موقعا في القرار المحلي، لن يطلب منه رأي في القرار.

فول تريلر الصبا
الطفل الذي أراد أن يصبح سائق شاحنة، ليعرف كل عطل في الطريق الواصل بين بئر السبع والعريش وتل أبيب ويافا كما كان يعرفه والده لم يصبح سائق شاحنة. وجهته والدته إلى شعبة “الجوري” المنصورية تحديدا، التي لطالما أحبت الوردة الدمشقية حتى أصبحت اسم الشعبة عندها بديلا عن اسمها الرسمي. وما زال ذلك الطفل في مكان ما يفعل الشيء نفسه الذي كان يفعله والده، يحاول أن يعرف مكان كل عطل في الطريق الذي يفصل المجتمع عن إنتاج معرفته الخاصة، وعلى الأقل الحد الأدنى مما تعلمه في داخل قاعة الجوري أن المادة مهما بدت جامدة تحتاج دوما إلى يد تعرف مكان العطل بالضبط ولا تكتفي بوصف الشاحنة من بعيد.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.

شارك واتساب تيليغرام

تعقيبات القراء

التعليقات (0)

علّق باسمك. قد يُطلب منك إكمال الدخول قبل النشر.

لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من الكاتب نفسه

مقالات أخرى

صفحة الكاتب