بقلم: محرر الشؤون السياسية (مقال رأي)
وكالة جنوب janoob
تُعد استطلاعات الرأي أداة علمية لقياس التوجهات، لكنها في المشهد السياسي المعقد قد تتحول أحياناً من أداة للرصد إلى وسيلة للمساهمة في صياغة الواقع وتوجيهه. ما يظهر في بعض الاستطلاعات الأخيرة حول توزيع المقاعد في المجتمع العربي يثير تساؤلات منهجية حول مدى دقة هذه الأرقام وقدرتها على عكس الواقع الميداني الحقيقي.
المنهجية الإحصائية وعلامات الاستفهام
تعتمد مصداقية أي استطلاع على “سلامة العينة”. ومن وجهة نظر تحليلية، فإن اختيار عينة مركزة (على سبيل المثال، أكثر من 250 شخصاً) من مناطق جغرافية ذات ميول حزبية معروفة سلفاً، يؤدي بالضرورة إلى نتائج قد لا تعبر عن الشمولية الوطنية. هذا النوع من “الانحياز المكاني” يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت بعض الاستطلاعات تُجرى لتعزيز تصور سياسي معين بدلاً من رصد الواقع كما هو.
خارطة القوى: بين الاستقرار المؤسساتي والهشاشة التنظيمية
عند إسقاط الأرقام على أرض الواقع، نجد تبايناً واضحاً بين ما تروجه الشاشات وما تؤكده الحراك الميداني:
1. القائمة الموحدة والجبهة: تظهر المعطيات الميدانية أنهما حزبان يتمتعان باستقرار تنظيمي ومؤسساتي صلب، وقواعد جماهيرية ثابتة تجعل منهما ركائز أساسية في العمل السياسي البرلماني.
2. تحديات الاستقلالية (תע״ל): في المقابل، تشير القراءات السياسية إلى أن أحزاباً مثل “العربية للتغيير” (تعل) قد تواجه تحديات وجودية في حال خوضها الانتخابات بشكل منفرد. هناك تقديرات تحليلية تذهب إلى حد التشكيك في قدرة مثل هذه القوى على تجاوز نسبة الحسم دون الاعتماد على مظلة تحالفات واسعة، وهو ما يفسر حالة التمسك بالوحدة كخيار استراتيجي للبقاء لا كمجرد تكتيك سياسي.
هندسة الوعي كوسيلة للضغط السياسي
يبدو أن هناك ميلاً لدى بعض الجهات لإظهار تفوق تيارات معينة على “القائمة الموحدة” في الاستطلاعات، وهو ما يمكن تفسيره ضمن سياق “الحرب النفسية” أو “هندسة الوعي”. الهدف من ذلك قد يكون:
• محاولة خلق انطباع بزخم شعبي وهمي لتشجيع المترددين.
• ممارسة ضغط سياسي لتثبيت مراكز القوى داخل التحالفات المستقبلية.
• محاولة تجاوز واقع الضعف التنظيمي لبعض المكونات من خلال الاختباء خلف أرقام استطلاعات “متفائلة”.
وعي الناخب هو الفيصل
في نهاية المطاف، يبقى الجمهور العربي واعياً بما يكفي ليميز بين “صناعة الاستطلاعات” وبين الواقع الصادق في صناديق الاقتراع. إن الاستطلاع الحقيقي لا يُصاغ في غرف مغلقة أو عبر عينات موجهة، بل يُكتب يوم الانتخابات عبر القواعد الشعبية التي تعرف جيداً من يمثلها بثبات ومن يسعى للاحتماء بالتحالفات لتجنب الاختفاء السياسي.
