صرخات

صرخات تحت الركام
بين المقعد والهوية: من يمثل من؟

في زمنٍ تتكسر فيه الحجارة فوق البيوت، وتُحاصر الذاكرة خلف الجدران، وتصبح الأرض ساحة صراع بين من يملك القوة ومن يملك الحق، لا يعود السؤال السياسي مجرد أرقام في صندوق اقتراع، ولا يصبح المقعد البرلماني غاية بحد ذاته. فهناك دائمًا سؤال أعمق يلاحق أصحاب القرار: لمن يكون الصوت؟ ولأي مشروع يُستخدم؟
يُطرح اليوم مفهوم “الكتلة المكمّلة” باعتباره عنوانًا للقوة السياسية القادرة على ترجيح كفة حكومة أو إسقاط أخرى. لكن خلف هذا المصطلح تكمن أسئلة تتجاوز الحسابات الانتخابية: هل تكون هذه القوة أداة لتغيير الواقع، أم تتحول إلى جزء من معادلة تُبقي الواقع كما هو؟ هل يصبح الصوت العربي مفتاحًا لتحقيق العدالة، أم مجرد رقم في ميزان حكومات تستمر في سياسات يرفضها قطاع واسع من الشعب الفلسطيني؟
من تحت الركام، لا تأتي الصرخة من فراغ. إنها تأتي من النقب حيث الأرض تحمل أسماء الأجداد، ومن الجليل حيث بقيت القرى شاهدة على التاريخ، ومن المثلث حيث يواصل الناس الدفاع عن وجودهم، ومن المدن المختلطة التي يعيش أهلها بين تحديات الهوية والمواطنة، ومن القدس التي تقف في قلب الصراع على المعنى والوجود، ومن غزة التي حملت في وجعها سؤال العالم عن العدالة والإنسانية ومن الضفه التي تنتهك يوميا ارضا وشعبا ومن الاقصى الذي يدنس من زعران المستوطنين.
إن القضية ليست في رفض العمل السياسي أو إنكار حاجة الناس إلى تحسين ظروف حياتهم. فالإنسان يحتاج إلى بيتٍ مرخّص، ومدرسةٍ أفضل، وفرصة عمل، وأمنٍ اجتماعي. لكن السؤال الأكبر يبقى: هل يمكن بناء مستقبل عادل من خلال معالجة النتائج فقط، وترك جذور الأزمة دون مواجهة؟
نهج “الكتلة المكمّلة” وقبلها ” بيضة القبان ” خطرها يكمن في أن تتحول المشاركة السياسية إلى غطاء لسياسات تتناقض مع مصالح الشعب الفلسطيني، وأن يصبح النائب العربي شريكًا في حكومة لا تملك فقط ملفات الخدمات، بل أيضًا ملفات الاحتلال والاستيطان والحروب والسياسة الإقليمية.
فالضفة الغربية ليست مجرد خبر في نشرة الأخبار؛ إنها أرض يعيش فيها شعب تحت واقع الاحتلال والاستيطان. والقدس ليست ملفًا عابرًا؛ إنها مدينة تحمل تاريخًا وروحًا وهوية. وغزة ليست رقمًا في حسابات السياسة؛ إنها جرح مفتوح يختبر ضمير العالم.
وفي النقب، لا تكمن القضية فقط في هدم بيت هنا أو مصادرة أرض هناك، بل في صراع طويل على الاعتراف بالإنسان وحقه في البقاء على أرضه. فالأرض بالنسبة للفلسطيني ليست عقارًا يُقاس بالسعر، بل ذاكرة وهوية وانتماء.
أما في المدن المختلطة، فإن التحدي لا يقتصر على قضايا الخدمات، بل يتعلق أيضًا بعلاقة المواطن العربي بالدولة التي يعيش فيها، وبالسؤال الدائم عن المساواة الحقيقية والاعتراف بالحقوق الجماعية والفردية.
إن المشاركة السياسية يمكن أن تكون أداة نضال إذا امتلكت رؤية واضحة وحدودًا أخلاقية ووطنية، لكنها قد تتحول إلى عبء إذا انفصلت عن هموم الناس الكبرى. فالمعيار ليس فقط عدد المقاعد، بل ماذا تفعل هذه المقاعد عندما تُعرض عليها خيارات تمس الأرض والإنسان والكرامة.
فالسياسة ليست فقط فن الممكن، بل هي أيضًا مسؤولية تجاه ما لا يجوز التفريط به. هناك فرق بين أن تدخل المؤسسات لتغيّرها، وبين أن تدخلها فتتغير أنت تحت ضغط المصالح والامتيازات.
لقد علّمنا التاريخ أن الشعوب لا تفقد قضاياها فقط عندما تُهزم عسكريًا، بل تفقدها أيضًا عندما يصبح الألم مجرد خلفية للخطابات، وعندما تتحول الحقوق إلى أوراق تفاوض، والدموع إلى أرقام، والذاكرة إلى عبء يريد البعض التخلص منه.
من هنا يأتي السؤال الذي سيبقى مفتوحًا أمام الأجيال: هل تكون “الكتلة المكمّلة” قوة تُكمل طريق الدفاع عن الإنسان والعدل والكرامة، أم تكون حلقة تُكمل مسارًا سياسيًا يتجاوز جوهر القضية الفلسطينية؟
إن الإجابة لن تُكتب في تصريحات السياسيين فقط، بل في مواقفهم عند لحظات الاختبار. فالتاريخ لا يحفظ عدد المقاعد التي امتلكها الناس، بل يحفظ كيف استخدموا تلك المقاعد عندما كانت الأرض تنادي، وعندما كان الإنسان ينتظر من يحمل صوته.
من تحت الركام لا نبحث عن شعارات جديدة، بل عن معنى قديم:
أن يبقى الإنسان وفيًّا لأرضه، وأن يبقى الصوت صوتًا، لا صدى.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.

شارك واتساب تيليغرام

تعقيبات القراء

التعليقات (0)

علّق باسمك. قد يُطلب منك إكمال الدخول قبل النشر.

لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من الكاتب نفسه

مقالات أخرى

صفحة الكاتب