بقلم: عبد المطلب الاعسم
لم يكن صعود الدكتور منصور عباس إلى مركز التأثير في السياسة الإسرائيلية حدثًا عابرًا، بل شكّل نقطة تحوّل حقيقية في مسار العمل السياسي العربي داخل إسرائيل، سواء من حيث الأدوات أو النتائج.
أولًا: كسر “سقف المعارضة” والدخول إلى الحكم
في عام 2021، اتخذت القائمة العربية الموحدة بقيادة عباس خطوة غير مسبوقة، حين انضمت إلى الائتلاف الحكومي برئاسة نفتالي بينيت وبالتناوب مع يائير لبيد.

هذه المشاركة لم تكن رمزية، بل نقلت الأحزاب العربية من موقع التأثير غير المباشر إلى موقع “الشريك السياسي” داخل الحكومة، وهو ما أكدته تحليلات سياسية رأت في هذه الخطوة بداية نهج جديد قائم على البراغماتية السياسية.
ثانيًا: ترجمة القوة السياسية إلى إنجازات اقتصادية
أحد أبرز الأدلة على هذا التحول تمثّل في الدفع نحو خطط اقتصادية واسعة لصالح المجتمع العربي.
فقد شهدت تلك المرحلة إقرار خطط حكومية بمليارات الشواقل، شملت تطوير البنية التحتية والتعليم والسلطات المحلية، إلى جانب برامج خاصة لمعالجة الفجوات الاقتصادية.
وتشير معطيات إلى أن الحكومة صادقت على خطة اقتصادية بحجم يقارب 30 مليار شيكل للمجتمع العربي، إضافة إلى 2.5 مليار شيكل لمكافحة الجريمة، وهي أرقام غير مسبوقة في تاريخ العلاقة بين الدولة والمجتمع العربي.
كما جاءت هذه الخطط استكمالًا لمسار سابق مثل قرار الحكومة 922، الذي خُصصت له ميزانيات بمليارات الشواقل لتطوير البلدات العربية، وشكّل قاعدة للبناء عليها في السنوات اللاحقة.
وشهدت فترة مشاركة القائمة العربية الموحدة برئاسة الدكتور منصور عباس في حكومة نفتالي بينيت ويائير لبيد (2021–2022) تطورًا مهمًا في ملف النقب، حيث تم لأول مرة إدخال قضايا القرى العربية غير المعترف بها إلى صلب القرار الحكومي. ومن أبرز الأحداث المصادقة على الاعتراف بثلاث قرى عربية في النقب، بينها رخمة وخشم زنة، إلى جانب الدفع نحو إعداد وتوسيع مخططات هيكلية لبلدات بدوية قائمة بهدف تنظيم البناء ومنح تراخيص مستقبلية، وهو ما يدعم بشكل مباشر ملف الأزواج الشابة. كما تم دمج النقب ضمن الخطط الاقتصادية الكبرى للمجتمع العربي التي وصلت إلى عشرات مليارات الشواقل، وشملت تطوير البنية التحتية والطرق والسلطات المحلية، إضافة إلى تعزيز ميزانيات مكافحة الجريمة في البلدات البدوية. وفي هذا السياق، برز أيضًا ملف الجريمة في النقب كأولوية حكومية بعد سنوات من التهميش، مع زيادة التنسيق بين الوزارات المختلفة. ورغم أن الخلافات السياسية داخل الائتلاف أدت لاحقًا إلى توقف هذه الشراكة، إلا أن تلك المرحلة اعتُبرت نقطة تحول في حجم الحضور العربي داخل صنع القرار المتعلق بالنقب.
ثالثًا: إدخال قضايا المجتمع العربي إلى مركز القرار
للمرة الأولى، لم تعد قضايا مثل العنف والجريمة، والإسكان، والتخطيط، ملفات هامشية، بل تحوّلت إلى بنود أساسية على طاولة الحكومة.
هذا التحول جاء نتيجة ضغط سياسي مباشر من قيادة “الموحدة”، التي ربطت دعمها للائتلاف بتحقيق إنجازات ملموسة للمجتمع العربي.
وفي هذا السياق، صرّح عباس بأن مشاركته السياسية أسهمت في “ترسيخ مكانة المجتمع العربي داخل الدولة” ، في إشارة إلى انتقال العرب من موقع التلقي إلى موقع التأثير.
رابعًا: ترسيخ نهج “التأثير من الداخل”
اعتمد عباس مقاربة مختلفة عن النهج التقليدي، تقوم على:
التفاوض المباشر مع مراكز الحكم استخدام “بيضة القبان” داخل الائتلافات ربط الدعم السياسي بتحقيق مكاسب مدنية
وقد جعل هذا النهج من “الموحدة” لاعبًا حاسمًا في استقرار الحكومة، حتى في لحظات الأزمات، كما ظهر خلال قرارات حساسة مثل تعليق المشاركة في الائتلاف مع الاستمرار في التنسيق السياسي للحفاظ على التأثير.
خامسًا: جدل داخلي… وتأثير لا يمكن إنكاره
رغم ما حققه هذا المسار من إنجازات، إلا أنه أثار جدلًا واسعًا داخل المجتمع العربي وبين القيادات السياسية، حيث اعتبره البعض تنازلًا سياسيًا، فيما رآه آخرون خطوة واقعية لتحقيق مكاسب ملموسة.
لكن، وبغض النظر عن المواقف المختلفة، فإن الوقائع تشير إلى أن هذا النهج أحدث تغييرًا فعليًا في قواعد اللعبة السياسية، وجعل من الصوت العربي عنصرًا مؤثرًا في تشكيل الحكومات.
إن تجربة الدكتور منصور عباس تمثل تحولًا من “سياسة الاحتجاج” إلى “سياسة التأثير”، حيث لم يعد التمثيل العربي محصورًا في الخطاب، بل أصبح مرتبطًا بقدرة حقيقية على تحقيق إنجازات على الأرض.
وبين مؤيد ومعارض، يبقى المؤكد أن هذه المرحلة أعادت تعريف دور السياسي العربي في إسرائيل:
من مراقب خارج المعادلة، إلى شريك داخلها — وقائد للتأثير الحقيقي وصنع القرار.
.
التعليقات (0)
اكتب تعليقك ثم اضغط «نشر». إن لم تكن مسجّلاً، سنفتح لك نافذة الدخول ويُنشر تعليقك تلقائياً بعد تسجيل الدخول.
لا توجد تعليقات بعد. كن أول المشاركين.