مساء الأربعاء، وكعادتي في مثل هذا اليوم من كل أسبوع، قصدت المركز الجماهيري في شقيب السلام، حيث أُشرف على ورشة “الإبداع في الإعلام والتصوير الاحترافي”. غير أن هذا المساء لم يكن كغيره. دخلت من الباب الغربي للمبنى، وليس من الباب الرئيسي، وركنت سيارتي هناك. نزل مساعدي حاملاً المعدات، بينما أخذت أنا أتأمل الساحة.

لم تكن الساحة خالية. وجوهٌ كثيرة كانت هناك، أغلبها وجوه أطفال ونساء، برفقة مرشدين ومرشدات من طاقم المركز. اقتربتُ بخطى هادئة، وتبادلتُ بعض الكلمات مع الحاضرين. لم تكن محادثة عابرة. كانت لحظة إنسانية صافية.
طفلان، أقدّر عمر أحدهما بسبع سنوات والآخر بثمانٍ، تحدثا إليّ. رغم بساطة لغتهما، كانت كلماتهما أشبه بخناجر ناعمة تخترق القلب. تحدثا عن الهدم. عن الألم. عن بيت لم يعد موجودًا. ومع ذلك، كانت على وجهيهما ابتسامات تشبه الرجاء، تنبت وسط أنقاض الشعور بالخذلان.
وما هي إلا لحظات، حتى انضمت إلينا صبية – لا تتجاوز الثانية عشرة من عمرها – جاءت مسرعة من مكان قريب وقالت باندفاع:
“احنا كثير زعلانين، ليش يطردونا من أرضنا اللي كنا فيها عشرات السنين؟ ليش يهدوا بيتنا وحياتنا وكل شي؟”
نظرت إليها وإلى الطفلين، وشعرت بعز وفخر. هؤلاء الأطفال، رغم الوجع، واقفون. لا يبكون فقط، بل يتحدثون، يسألون، يحتجون. جيل لا ينكسر.
دخلت بعد ذلك إلى قاعة الورشة. كان هناك ما يجب إنجازه. لكنني دخلت وأنا أحمل شيئًا جديدًا في داخلي: أمل كبير ممزوج بألم كبير.
في المركز الجماهيري شقيب السلام، يُستضاف ما يقارب 150 فردًا من العائلات التي فقدت بيوتها. في المقابل، هناك عائلات أخرى – مثل عائلة الغنامي في أم متنان، وعائلة أبو عصا في وادي الخليل – ما زالت بلا مأوى، بلا عنوان.
ورغم هذه القسوة، لا يمكنني أن أمرّ دون أن أقول كلمة حق: شكراً لرئيس المجلس المحلي في شقيب السلام، الأخ كايد أبو معمر، وللمدير النشيط للمركز الجماهيري، الأخ مروان الغذيفي، على سرعة الاستجابة ونبل التعامل مع الأزمة. لم يشعر أحد من الأهالي بأي منّة، بل وجدوا في المركز حضنًا إنسانيًا دافئًا.
هذه هي الروح التي نحتاجها. هذا هو الإسلام الحقيقي، دين الرحمة، دين العطاء. وهذه هي قيم مجتمعنا العربي، حين يكون متكاتفًا، كريمًا، شامخًا.
ما تبقى لنا اليوم هو أن نصطف. أن نرفع أصواتنا. أن نحتج – لا فقط على الهدم، بل على كل أشكال التحريض والتشريد التي تُمارس بحق أهلنا.
ما تبقى لنا… هو أن نُربي أبناءنا على الكرامة، وأن نُعلّمهم كيف يقفون في وجه الظلم، مهما اشتدّ.

عبد المطلب الأعسم
صحفي ومدرب إعلامي
شقيب السلام – النقب
الأربعاء | 28 أيار 2025
التعليقات (0)
علّق باسمك. قد يُطلب منك إكمال الدخول قبل النشر. دخول
لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.