ندى وقوة الطيبة في وجه التنمر

ندى وقوة الطيبة في وجه التنمر

حكاية يكتبها: الكاتب الصحفي عبد المطلب الاعسم

كان يا ما كان، فتاة صغيرة اسمها ندى، تدرس في الصف الخامس. كانت ندى طيبة القلب، رقيقة المشاعر، ودائمًا ما يرتسم على وجهها ابتسامة مشرقة. لم تكن تؤذي أحدًا، بل كانت تسعى دائمًا لنشر المحبة بين زملائها. ولكن، وكما يحدث في بعض الأحيان، الطيبة تجذب إليها أصحاب القلوب المليئة بالحقد والغيرة.

ندى كانت تذهب إلى المدرسة كل صباح وهي تحمل في قلبها الحماس والفرح. غير أن هناك مجموعة من الفتيات في صفها، دائمًا ما يجتمعن معًا في مجموعتهن الخاصة، ويمتلكن روحًا عدائية تجاه من يختلف عنهن. هؤلاء الفتيات لم يكنّ يحببن ندى، ليس لسببٍ إلا لأنها كانت متفوقة ومحبوبة من قبل معلماتها وزميلاتها.

في يومٍ من الأيام، وأثناء وقت الاستراحة، لاحظت ندى تلك المجموعة وهي تهمس فيما بينها، ثم فجأةً قامت إحداهن، واسمها ليلى، وقالت بصوت مرتفع:

“انظروا إلى ندى! تظن نفسها أفضل من الجميع! إنها تجلس دائمًا في الصف الأمامي لتُعجب المعلمات!”

وانطلقت الضحكات من المجموعة، ولم تكتفِ بذلك، بل أطلقن تعليقات جارحة جعلت ندى تشعر بالحزن والخجل.

رغم أن ندى حاولت أن تتجاهل ما حدث، إلا أن التنمر لم يتوقف عند هذا الحد. بل بدأت تلك المجموعة تختلق الأكاذيب عنها، وتنشر إشاعات تهدف إلى تشويه صورتها أمام الآخرين. تدريجيًا، بدأ بعض زملائها يتجنبون الحديث معها خوفًا من غضب الفتيات المتنمرات.

كانت ندى تعود إلى المنزل يوميًا وعيناها مغرورقتان بالدموع. وفي إحدى الليالي، جلست بجانبي وقالت لي بصوت مليء بالألم:

“لماذا يا أمي؟ لماذا يفعلون ذلك؟ ماذا فعلت لهم ليكرهونني هكذا؟”

حاولت أن أخفف عنها وقلت لها:

“يا ندى، الأشخاص الذين يحملون الحقد في قلوبهم هم أضعف الناس. لا تسمحي لهم بأن يكسروا قلبك. أنتِ قوية بطيبتك، وهذه القوة هي ما يخيفهم.”

لكن التنمر استمر، وفي يوم من الأيام، تجاوز الأمر كل الحدود. إحدى الفتيات كتبت كلمة جارحة عن ندى في دفترها ومررته بين زميلاتها ليضحكن عليها. عندما رأت ندى تلك الكلمة، شعرت وكأن قلبها قد تحطم إلى أشلاء.

عندها قررت التدخل. ذهبت إلى المدرسة وتحدثت مع المديرة عن ما يجري. المديرة استمعت بإنصات واتخذت خطوة حاسمة. نظمت اجتماعًا للصف بأكمله، وتحدثت عن خطورة التنمر وكيف أن الاحترام بين الطلاب أساس أي علاقة إنسانية.

خلال الاجتماع، قامت إحدى الفتيات المتنمرات وقدمت اعتذارًا صادقًا لندى أمام الجميع. اعترفت بأنها كانت مخطئة، وأنها انجرفت مع المجموعة دون أن تفكر في العواقب.

بعد ذلك، تغيرت الأمور. أصبحت ندى أقوى، وتعلمت كيف تواجه التحديات بثقة وصبر. وبدأت تحيط نفسها بصديقات جديدات، كنّ يقدرن طيبتها وصدقها.

قصة ندى علمتني أن الطيبة ليست ضعفًا، بل هي قوة عظيمة. وأنه مهما اشتدت قسوة الآخرين، يبقى الإيمان بالنفس والتمسك بالقيم النبيلة هو السبيل للنجاة.

الكاتب الصحفي عبد المطلب الاعسم

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.

شارك واتساب تيليغرام

تعقيبات القراء

التعليقات (0)

علّق باسمك. قد يُطلب منك إكمال الدخول قبل النشر.

لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من الكاتب نفسه

مقالات أخرى

صفحة الكاتب