حول مبادرة رئيس القائمة العربية #الموحدة الدكتور منصور عباس لاجراء #مناظرة مع رئيس القائمة #المشتركة د. يوسف جبارين !

في خضم السجالات المحتدمة التي يشهدها مجتمعنا العربي مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تضيع أحياناً البوصلة وتتحول الساحة السياسية إلى ميادين للتراشق الذي يبتعد عن جوهر القضايا التي تهم المواطن. ومن منطلق المسؤولية الصحفية والموضوعية، يحتم علينا الواجب قراءة هذا المشهد بعيداً عن الانحيازات الفئوية، وتسليط الضوء على مفاهيم أساسية يبدو أنها غائبة أو مُغيّبة عن نقاشنا العام: الديمقراطية، الحريات، وأهمية المناظرة.

أولاً، يجب أن نتفق على أن “المناظرة السياسية” ليست ترفاً فكرياً ولا حلبة لتصفية الحسابات أو “شقاً للصف” كما يحاول البعض تصويرها. في أعرق الديمقراطيات، تُعد المناظرة حقاً أصيلاً للناخب قبل أن تكون استحقاقاً للمرشح. إنها الأداة الأهم والأكثر شفافية التي تضع البرامج، والرؤى، والنهج وجهاً لوجه تحت مجهر الرأي العام. التهرب من هذا الاستحقاق تحت غطاء “الوحدة” أو “توجيه الجهود نحو قضايا أكبر” هو في جوهره مصادرة لحق المواطن في المقارنة والمحاسبة والمكاشفة المباشرة.

ثانياً، إن الديمقراطية الحقيقية لا تُبنى على الشعارات الفضفاضة، بل على القدرة على تحمل النقد والدفاع عن الطرح السياسي في وضح النهار. التعددية السياسية في مجتمعنا هي ظاهرة صحية، والاختلاف في النهج – بين من يرى السياسة أداة لتحقيق مكاسب مدنية يومية وبين من يراها نضالاً مبدئياً وتاريخياً – هو اختلاف مشروع. لكن هذا المشروعية تسقط عندما نرفض وضع هذين النهجين في ميزان النقاش العلني.

ثالثاً، حرية الناخب لا تقتصر فقط على حريته يوم الاقتراع خلف الستار، بل تبدأ من حقه في الوصول إلى المعلومة الكاملة وغير المجتزأة. لا يمكن الحديث عن حريات سياسية في مجتمع يُطالب فيه الناخب بمنح صوته بناءً على العاطفة أو الانتماء العائلي أو الاصطفاف الأيديولوجي المسبق، دون أن تُمنح له الفرصة لرؤية القيادات السياسية تدافع عن سياساتها وتجيب على الأسئلة الصعبة التي تؤرق الشارع؛ من قضايا المسكن والتنظيم، إلى قضايا العنف والجريمة، وصولاً إلى الموقف من قضايا الهوية.

في المحصلة، معركتنا الحقيقية من أجل البقاء والتأثير تتطلب منا نضجاً سياسياً يتجاوز الخوف من الحوار. النخبة السياسية مطالبة باحترام عقل المواطن البسيط الذي يكتوي بنار الواقع يومياً، وهذا الاحترام لا يتأتى إلا بالنزول من أبراج التنظير العاجية إلى ساحة المكاشفة والمناظرة.
صندوق الاقتراع هو الفيصل، والناخب الواعي والمطّلع هو الضمانة الوحيدة لتمثيل سياسي حقيقي يحمي الحقوق ويصون الكرامة.


(الصورة فقط للتوضيح – افتراضية)

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.

شارك واتساب تيليغرام

تعقيبات القراء

التعليقات (0)

علّق باسمك. قد يُطلب منك إكمال الدخول قبل النشر.

لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.