في زمنٍ تتسارع فيه التحديات وتزداد فيه الحاجة إلى التماسك المجتمعي، تبرز قرية تل السبع نموذجًا حيًا لما يمكن أن يصنعه الناس حين يجتمعون على هدفٍ واحد. لم يكن ما شهدناه مجرد حملة تنظيف أو زراعة أشجار، بل كان مشهدًا أعمق بكثير؛ مشهد انتماءٍ صادق، وروحٍ جماعية تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان وأرضه.
كلمات الشيخ أكرم سواعد (أبو جواد) جاءت لتصف بدقة هذا الإحساس النبيل، حين قال إن الجمال الحقيقي يكمن في رؤية أهل القرية يقفون صفًا واحدًا، قلوبهم معلّقة بأرضهم، وأيديهم تمتد بالعطاء قبل الكلام. هذه ليست مبالغة أدبية، بل حقيقة تُترجمها الأفعال على الأرض، حيث يشارك الصغير قبل الكبير، وتتكاتف الأيادي في صورة تُجسد أسمى معاني التعاون.
إن ما يحدث في تل السبع اليوم هو درس عملي في المواطنة والانتماء. حين يحمل أحدهم مكنسة، أو يغرس آخر شتلة، أو يرفع ثالث حجرًا عن طريق الناس، فهو لا يؤدي عملاً عابرًا، بل يضع حجر أساس في بناء مجتمعٍ واعٍ، يشعر بالمسؤولية تجاه ذاته ومستقبله.
ولا يمكن تجاهل الدور القيادي الذي تجلّى في هذا المشهد، حين اختار رئيس المجلس المحلي أن يكون في الميدان، بين الناس، لا فوقهم. هذه الصورة، البسيطة في ظاهرها، العميقة في معناها، تعكس مفهوم القيادة الحقيقية: أن تكون قدوة بالفعل قبل القول، وأن يشعر المواطن بأن من يقوده هو شريكٌ له في الهم والعمل.
إن مثل هذه المبادرات لا تنتهي بانتهاء يوم العمل، بل تترك أثرًا طويل الأمد؛ تزرع في القلوب محبة، وفي الأرض حياة، وفي عقول الأجيال القادمة فكرة أن التطوع ليس واجبًا فحسب، بل شرفٌ ومسؤولية. هي استثمار في الإنسان قبل المكان، وفي القيم قبل النتائج.
تحية تقدير لكل من شارك وساهم، لكل يدٍ عملت بصمت، ولكل قلبٍ آمن بأن التغيير يبدأ بخطوة. وتحية خاصة لكل قيادة اختارت أن تكون بين الناس، لا بعيدة عنهم.
ونسأل الله أن يديم هذه الروح الطيبة، وأن يحفظ النقب وأهله، وأن يجعل كل عملٍ في خدمة الناس صدقةً جارية.
فما دام في قرانا رجال ونساء بهذه الروح، ستبقى الأرض خضراء، وستظل القلوب عامرة بالأمل.
وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نُثمن الكلمة الصادقة والدور الإعلامي المسؤول، الذي يواكب هذه المبادرات ويُسلّط الضوء عليها، لما له من أثرٍ في تعزيز الوعي والانتماء. فتل السبع اليوم ليست مجرد قرية، بل قصة فخر واعتزاز لمجتمعنا العربي، ونموذج يُحتذى به في البناء والعمل المشترك.
التعليقات (0)
اكتب تعليقك ثم اضغط «نشر». إن لم تكن مسجّلاً، سنفتح لك نافذة الدخول ويُنشر تعليقك تلقائياً بعد تسجيل الدخول.
لا توجد تعليقات بعد. كن أول المشاركين.