أصدر مراقب الدولة، متانياهو إنغلمان، تقريره لعام 2026 حول “جوانب الحوكمة في النقب”. وكما جرت العادة في تعاطي المؤسسة الإسرائيلية مع قضايا النقب، يعكس التقرير نظرة استعلائية وأمنية بحتة تتجاهل الجذور العميقة للأزمات التي خلقتها سياسات التهميش والإهمال الممنهج، لتلقي باللوم في النهاية على المواطنين العرب البدو، وتطالب بمزيد من “القبضة الحديدية” تحت مسمى “فرض الحوكمة”.
إن قراءتنا النقدية في هيئة تحرير “موقع جنوب” لهذا التقرير تكشف عن تناقضات صارخة بين تشخيص المؤسسة للواقع، وبين مسؤوليتها المباشرة عن خلقه:
1. “الفَلسْطَنة” كفزاعة أمنية
يتبنى التقرير خطاباً خطيراً يتعامل مع الهوية والانتماء الطبيعي كتهديد أمني؛ حيث يشير إلى أن حوالي 22% من السكان البدو في النقب لديهم “ارتباط فلسطيني” بناءً على تقديرات الشاباك.
- يعتبر التقرير هذا الارتباط، الناتج غالباً عن الزواج، سبباً للتماهي مع أحداث العنف.
- يصل التقرير إلى حد اعتبار هذه الظاهرة “تهديداً استراتيجياً على دولة إسرائيل” وفقاً للجهات الأمنية.
بدلاً من التعامل مع العائلات على أساس الحقوق المدنية والإنسانية، يتم تحويل قضايا لم الشمل والهوية إلى ملف مخابراتي يبرر المزيد من التضييق والملاحقة.
2. الجريمة المنظمة: إهمال شرطي يدفع ثمنه السكان
يتباكى التقرير على سيطرة عصابات الإجرام وفرض الإتاوات (الخاوة)، وهي ظاهرة نكتوي بها نحن في النقب قبل غيرنا.
- يشير التقرير إلى أن 87% من المقاولين طُلب منهم دفع رسوم حماية (خاوة).
- يعاني المقاولون من الابتزاز بالتهديد، وسرقة المعدات من مواقع البناء، ويخشون تقديم شكاوى.
لكن التقرير نفسه يكشف السبب الحقيقي وراء توحش الجريمة: تقاعس الشرطة. - يؤكد التقرير وجود نقص حاد في أعداد أفراد الشرطة في محطات النقب؛ حيث تعاني محطة “عِيَاروت” من نقص يبلغ 43 شرطياً، ومحطة رهط تنقصها 21 شرطياً، بينما تعاني محطتا شقيب السلام وعرعرة النقب من نقص يتجاوز 41 شرطياً مجتمعتين.
الدولة التي تفرغ محطات الشرطة من كوادرها لا يحق لها أن تتفاجأ بانهيار الأمن الشخصي للمواطنين.
3. البنية التحتية والبيئة: لوم الضحية وتجاهل القرى غير المعترف بها
يتحدث التقرير باستفاضة عن الأضرار التي تلحق بالبنى التحتية والتلوث البيئي، متجاهلاً أن سياسات الدولة هي المسبب الأول لهذه الكوارث:
- ينتقد التقرير حرق النفايات وإلقاءها في الأماكن العامة، لكنه يعترف في الوقت ذاته بأن السلطات المحلية في التجمعات غير المعترف بها لا تقوم بجمع النفايات ومعالجتها كما ينبغي. كيف يُطلب من مواطن الحفاظ على بيئة نظيفة في ظل حظر تزويده بخدمات جمع القمامة؟
- يفضح التقرير العنصرية البيئية في سطر عابر، مشيراً إلى أن مسافة 3.5 كيلومتر فقط تفصل بين منطقة الصناعات الكيماوية “نئوت حوفاف” وبين المدارس ورياض الأطفال في قرية وادي النعم.
- يستعرض التقرير حوادث الإضرار بالبنى التحتية لشركة الكهرباء وشركة المياه “مكوروت”، متجاهلاً أن حرمان عشرات الآلاف من السكان في القرى غير المعترف بها من حقهم الأساسي في الماء والكهرباء هو ما يولد واقعاً فوضوياً للبحث عن بدائل.
4. قضايا المجتمع: الفقر وغياب الأطر كجذور للمشكلة
يتناول التقرير قضايا اجتماعية حساسة مثل تعدد الزوجات وعمالة الأطفال، ولكن من منظور جنائي واقتصادي يخدم خزينة الدولة، وليس من منظور الرعاية الاجتماعية:
- رغم رصد 16,256 امرأة في أسر متعددة الزوجات، إلا أن النيابة العامة لم تقدم سوى 3 لوائح اتهام فقط خلال الأعوام 2022 – 2024.
- ينشغل التقرير بالمبالغ المالية التي تدفعها مؤسسة التأمين الوطني لهذه الأسر، أكثر من انشغاله بحماية النساء والأطفال.
- يعترف التقرير بتفشي عمالة القاصرين في أعمال خطرة وممنوعة، ويقر بوضوح أن هذا ناتج عن “الضائقة الاقتصادية” و”عدم اندماج الكثير منهم في المؤسسات التعليمية والمدارس”.
5. شلل حكومي وغياب الرؤية
الخلاصة الأكثر سخرية في هذا التقرير هي اعترافه بالفشل الإداري التام للحكومة نفسها في التعامل مع ملف النقب.
- يكشف التقرير أن اللجنة الوزارية لتطوير النقب والجليل والمناعة الوطنية لم تجتمع ولو لمرة واحدة خلال السنتين الماضيتين منذ تشكيلها.
- يؤكد التقرير عدم وجود أي جهة حكومية مركزية تُنسق المعلومات وتتولى معالجة مشاكل النقب.
كلمة أخيرة:
إن تقرير مراقب الدولة لعام 2026 هو لائحة اتهام للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وليس للبدو. إن الحلول لمشاكل “الحوكمة” في النقب لن تأتي عبر زيادة أوامر الهدم، أو تشديد الخناق الأمني، أو تجريد المواطنين من هويتهم وانتمائهم. الحل يبدأ بالاعتراف بالقرى غير المعترف بها، وتوفير البنى التحتية، وبناء المدارس، وتوفير فرص العمل، والتعامل مع عرب النقب كمواطنين متساوين الحقوق، وليس كـ “تهديد أمني” أو “مشكلة ديموغرافية”.
التعليقات (0)
اكتب تعليقك ثم اضغط «نشر». إن لم تكن مسجّلاً، سنفتح لك نافذة الدخول ويُنشر تعليقك تلقائياً بعد تسجيل الدخول.
لا توجد تعليقات بعد. كن أول المشاركين.