بين الغضب الشعبي وضرورات التخطيط

بين الغضب الشعبي وضرورات التخطيط

بقلم: عبد المطلب الأعسم – النقب

في النقب، حين يُهدم بيت، لا يُهدم جدار فحسب. تُهدم معه الثقة، يُخدش الانتماء، ويُسحب الغطاء عن وهم المساواة. ما حدث في قرية السر المحاذية لشقيب السلام، لم يكن مجرد “حادث هدم” كما تحاول المؤسسة تسميته، بل هزة أخلاقية دفعت الأهالي إلى الشارع، إلى الغضب، إلى “مظاهرة الكرامة” في بئر السبع.

كانت تلك المظاهرة نقطة مضيئة. صوتنا، حين يخرج موحدًا، يهزّ أركان اليمين المتطرف، ويجبر وسائل الإعلام العبرية على التوقف وسؤال: “إلى أين تمضون؟”. كادت تلك الوقفة أن تقلب الرأي العام. أن تضع النقب، ولو ليوم واحد، في مركز النقاش الأخلاقي في إسرائيل.

ثم جاء إعلان المقاطعة.

لا أعرف من اتخذ القرار. وانا كمراقب قديم لوجع النقب، أدرك أن الغضب وحده لا يكفي. المقاطعة في هذا التوقيت، ورغم عدالتها من حيث الدافع، منحت لليمين مهربًا أخلاقيًا. بدلاً من مواجهة حقيقة أنهم يهدمون بيوت مواطنين مسالمين، أصبحوا يرددون: “انظروا، هؤلاء لا يريدون التعايش، هؤلاء يقاطعون الاقتصاد”.

فُقد التركيز. وضاعت المعركة الأخلاقية وسط جدل عاطفي حول البيع والشراء، وذهبت الكاميرا لتغطي اللافتات لا الجرافات.

في المؤتمر الأخير في رهط، طرحت أرقامًا مؤلمة: نسبة بطالة مرتفعة، فقر يلتف حول الرقاب، ومكتب توظيف وحيد يخدم مئات آلاف البشر. ليس لدينا ترف تبديد أي فرصة للتأثير. نحن لسنا فقط سكان أطراف – نحن أصحاب الأرض، لكننا بحاجة لتخطيط ذكي، للعب الشطرنج لا فقط الصراخ.

المقاطعة، مثل أي أداة نضال، تحتاج توقيتًا وهدفًا واضحًا. تحتاج من يتبناها رسميًا ويتحمل نتائجها سياسيًا. وإلا تحولت إلى تفريغ مشاعر، بدل أن تكون خطوة في طريق التغيير.

في النقب، معركتنا هي معركة كرامة، معركة بيت، معركة حق. لا نقاطع لأجل المقاطعة. بل نخطط لأجل غدٍ لا يُهدم فيه بيت، ولا يُسلب فيه حلم.

الاعلامي عبد المطلب الاعسم: “قضيتنا الاولى والمأساوية هي الهدم”.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.

شارك واتساب تيليغرام

تعقيبات القراء

التعليقات (0)

علّق باسمك. قد يُطلب منك إكمال الدخول قبل النشر.

لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من الكاتب نفسه

مقالات أخرى

صفحة الكاتب