خصَّص الشيخ د. سامي أبو فريح مبحثًا للقواعد الكلية والمبادئ العامة التي يستند إليها القضاء العشائري.نذكرها هنا مقتضبة، وستجدونها في الكتاب مشروحة تفصيلًا مع ذكر ما يؤيده ويرفضه الشرع الحنيف.ندعوكم للعودة إلى الكتاب والاستفادة من فصوله ومباحثه وهوامشه الغنية.نشير إلى أن الكتاب صدر عام 2022، واستُقبل بحفاوة من الأهالي في قضاء بئر السبع، ونال اهتمامًا في البلاد والخارج. وصدرت طبعته الثانية عام 2024.
كتب المؤلف في مبحث: « القواعد العشائرية التي يعود القضاة إليها في قضائهم وأعرافهم.»
(صفحة 85 إلى 94)

نظم البدو شؤون حياتهم عند النزاع بالقضاء، لحسم النزاع وإدامة الأخوة، فوضعوا لأنفسهم سياجا من القواعد والأعراف، لتحافظ على علاقتهم واستمرارية إدارة شؤونهم. وهي قواعد كثيرة تختلف باختلاف العرف واختلاف القبيلة والقاضي حيث اخترت أهم هذه القواعد مجتهدا شرحها، علما بأن فهم هذه القواعد قد يختلف من قاض إلى قاض آخر وهي :
- القاعدة الأولى: (المجالس هي المدارس) وبتعبير عشائر بئر السبع ( الكبار دفاتر الصغار)، وهذا يعني أن الثقافة القانونية يتلقاها الفرد البدوي في المجالس عن طريق الاستماع إلى أقوال الكبار وقصصهم وأحاديثهم. وأقصد الكبار من حيث السن ومن حيث المركز. وهذه الطريقة توحد المفاهيم القانونية في المجتمع البدوي، ويجري تسجيل تلك المفاهيم بعقول الصغار، لينشأوا على احترامها والالتزام بالعمل بموجبها .
- القاعدة الثانية: (اللي يَعْرِفُهُ القاضي يعرفه الراعي) أي: ما يعرفه القاضي يعرفه الراعي. وتفترض هذه القاعدة علم جميع أفراد العشائر بالأعراف القضائية، ولهذا فإنه لا يُقبل احتجاج هؤلاء الأفراد يجهل تلك الأعراف في المجتمع البدوي. وهنا تبرز الحكمة فى القضاء البدوي حيث وضع حداً حاسماً للتهرب من حكم هذه الأعراف، وهذه القاعدة مأخوذة من القاعدة الشرعية: «لا عذر لجاهل في دولة الإسلام»، أو إنها تفيد أن هذه الأمور معلومة من الدين بالضرورة.
- القاعدة الثالثة: (الحقان بِسَوالِفِ العُرْبانِ) أي: أخذ الحق يكون باتباع عادات العرب، أي أن الطريق إلى الحق يكون باتباع «سوالف العربان» أي أعرافها وعاداتها، ففي المجتمع البدوي: تستمد طاعة العرف سلطتها رأسيًا، أي تاريخيًا عبر الأجيال المختلفة، كما تستمد سلطتها أفقيا من المجتمع بجميع أفراده، وعائلاته، وعشائره.
4 . القاعدة الرابعة: يقول القاضي البدوي (إحنا تبع لا نشَرِّعُ شرعًا ولا نفَرّعُ فرعًا) أي: نحن تبع لمن قبلنا، وهذا يعني أن الأصل هو العمل بالأعراف القضائية البدوية المتوارثة جيلا عن جيل، وتطبيقها فالقاضي لا يستطيع ابتداع الأحكام أو تغييرها، ولهذا نراه حين يصعب عليه الحكم في قضية من القضايا، يتساءل عن مثيلتها، أي السابقة القضائية البدوية لها، إلا ما جد مع التغير في المجتمعات.
- القاعدة الخامسة: (الفِعْل اللي ما عليه شهود كَذِبَةٌ والولد اللي ما له أب زنوة ) أي: كل فعل ليس عليه شهود فهو كذبة، وكل مولود ليس له أب فهو زنا. وتعني هذه القاعدة، أنه يُلزم القاضي في الحكم استنادًا إلى البينات التي تقدم أمامه، في جلسة علنية وحضور الطرفين، أو ممثليهما. فإن لم ترد البينة المطلوبة فلا يستطيع القاضي أن يصدر قرارًا بالإدانة. وبهذا المعنى يقول البدو : (ما ينفع المفلوج كثر الطلابين) أي أن الطرف الخاسر لا يفيده كثرة طلباته ومماطلته، لأن الحق بين والباطل بين، ووظيفة القاضي أن يميّز بينهما. وهذا ما تقرره القاعدة الشرعية: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر » .
- القاعدة السادسة: (الرجل يفزع في ماله ورجاله لا في بخته) أي: يستجيب الرجل لطلب النجدة بماله وأبنائه دون أثرة ولا محاباة، أي أن البدوي يستطيع أن يقدم المساعدة المادية والمساعدة بالرجال لمن يشاء، أما عند كونه قاضيا أو شاهدًا أو خبيرًا في قضية فلا يستطيع أن يساعد إنسانًا على إنسان آخر إلا بما يتوصل إليه من معرفة صحيحة، وبهذا المعنى يقول البدو أيضًا: (عاون بسيفك ولا تعاون في بختك). وأصل هذا يرجع إلى قول الله عز وجل: [ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء:58].
7 . القاعدة السابعة: (الدم ما عليه ورود والعيب ما عليه شهود )، أي: قضايا الدماء لا شهود عليها وكذلك قضايا العرض. تفرض القيم البدوية على الجاني أن يعترف بجريمته، لأنه إن لم يفعل فقد أضاف إلى جريمته الأصلية جريمة جديدة هي الإنكار. ويعتبر الإنكار ظرفًا مشددًا يؤدي إلى زيادة العقوبة، ولذلك لا حاجة للشهود إذا كانت الجريمة مشهودة. وأما البند الثاني من القاعدة فيعني أن قضايا العيب أي قضايا الاعتداء على العرض، لا يتطلب إثباتها، لأن القاعدة في قضايا العرض أن كاذبة النساء صادقة، فعندما تدعي فتاة بدوية بأن زيدا اعتدى عليها، فهي مصدقة حتى يُثبت المتهم براءته، وذلك لاستبعاد أن تقذف الفتاة البدوية نفسها بالزنى.
- القاعدة الثامنة: (العِلْمُ الجديد بيأكل العلم القديم)، أي أن القرار اللاحق ينسخ القرار السابق، أي أن القرار القضائي الحديث يلغي (يأكل) وينسخ القرار السابق له، وأهمية هذه القاعدة أنها تحول دون ازدواجية الحكم في القضية الواحدة.
- القاعدة التاسعة: (كُلُّ واردة لها صادِرَة) أي: يجب الرد على كل ادعاء. وذلك يعني أن القاضي البدوي ملزم بالرد تفصيلا على كل نقطة يثيرها أحد الطرفين، فإن أغفل هذه القاعدة، كان قراره عُرضة للطعن فيه إلى مرجع أعلى، ومن ثم إلغاؤه لهذا السبب.
- القاعدة العاشرة: مرونة العقوبة ويعبرون عنها بقولهم: (الرحمة مطلوبة). بالإضافة إلى أن القاضي البدوي حين يصدر قراره، فإنه يأخذ في الاعتبار الأسباب المخففة والأعذار المسببة، إن وجدت، مثلما يفعل القاضي النظامي.
11 . القاعدة الحادية عشرة: (المشاركة في تحمل المسؤولية) أي: يقوم المجتمع على نظرية المسؤولية الجماعية، فلا تقتصر العقوبة على الجاني وحده، بل تمتد إلى أقاربه حتى الدرجة الخامسة، وهو ما يسمى في العرف الجاني وخمسته، أو حتى تشمل عشيرته بأكملها، حسب ظروف كل قضية.
- القاعدة الثانية عشرة: (اللي تقوله وأنت قاعد ما تلحقه وأنت واقف)، أي: ما تقوله وأنت جالس ليس بمقدورك إدراكه وفعله عند الوقوف والهم بفعله. وهي من أهم القواعد في المجتمع البدوي، وتعني في المجال القانوني؛ أن على الطرف الذي يريد أن يطعن بقرار القاضي أن يبدي رغبته هذه فور سماع القرار، ويكون التعبير عن هذه الرغبة بالنص، أي بكلام يعني اعتراضه على القرار، ورغبته في الطعن به. وعن طريق الإشارة وهي (هز ثوبه أو عباءته إعلاناً للرفض) بمجرد انتهاء القاضي من تلاوة قراره. وإلا بات القرار قطعياً.
- القاعدة الثالثة عشرة: (الدولة قَتِيلها هافي وحَقَّها وافي ) أي: من قتلته الدولة فلا مطالب لها ، وتأخذ حقها من الجناة كاملا. وتعني هذه القاعدة؛ أنه إذا حصلت مواجهة مسلحة بين أفراد السلطة وأحد أفراد العشيرة ، وبالنتيجة تمكن أفراد السلطة من قتله المقاومته، والاعتداء عليهم، فإنه لا يمكن مطالبة الدولة بالحقوق العشائرية.
هذا ليس إقرارًا من البدو بقتل أحد أبنائهم، وإنما عجزهم عن ملاحقة الدولة، أجبرهم على تبني هذه القاعدة، ليخرجوا من الحرج والمعايرة. ولهذه القاعدة استثناء في قضاء بئر السبع، في حال تسبب فرد محلي يعمل في أجهزة السلطة بضرر لأحد أفراد عشيرة أخرى، تتم ملاحقة الجاني شخصيا وفق القانون العشائري تحت قاعدة – أنت لست شريكا مع الدولة علي – (أنت مش شريك مع الدولة عليّ). - القاعدة الرابعة عشرة : (اللي يفْرِش فراش يُقْعُد عليه)، أي: من فراش فراشا ألزم بالجلوس عليه. وتعني هذه القاعدة المعاملة بالمثل أو ما يقوله البدو: (اللي تقدمه أَديتُك تلاقيه لَخَيْتَكْ ، أي : الذي تقدمه يدك تلاقيه لحيتك)، أي: على الطرف البدوي الذي يتخذ موقفا محددًا، في قضية معينة، أن يتوقع تعرضه للموقف نفسه من قِبَلِ الآخرين حين يواجه قضية مشابهة، ولهذا فإن هذه القاعدة تشكل دافعًا لكل فرد بدوي أن يكون أكثر تسامحا، وهذا ينسجم مع قوله عز وجل: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ )، ويكون أكثر كرما مع الآخرين، حتى يتلقى المعاملة نفسها عندما يواجه قضية مشابهة، ويُلحق بهذه القاعدة العرفية: (اليوم لك وبكرة عليك) ، أي أن الأمر اليوم في يدك، ولكنه ربما يكون غدًا عليك.
- القاعدة الخامسة عشرة: (الفايتة والهايتة ما ينحكي بها)، أي: لا يتحدث
أحد عن القضايا السابقة بروح التمني والندم، ولا في قضايا المرأة الفاسدة دون سبب، وتعني هذه القاعدة أن الفايتة أي قضايا الخطأ والهايتة أي قضايا المرأة المشهورة بفساد أخلاقها تجد طريقة إلى الحل دون تعقيد، لأن البدو لا يتشددون بالحل إلا في الجرائم العمدية، وهذا ما يؤكد الإسلام عليه وهو مبدأ الستر، حيث يقوم القضاء البدوي بالستر في قضايا العرض، كما ورد في القصة النبوية عن ماعز لما زنى، حيث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حث على الستر والبدو يتشددون في جرائم الاعتداء على العرض وبخاصة قضايا صايحة الضحى (وهي أشبه بالاغتصاب). - القاعدة السادسة عشرة: (الجَرْبا يَطلُوها أهلها) أي: يحاسب المرأة الفاسدة أهلها فقط، وتتعلق هذه القاعدة بنظرية المسؤولية الجماعية، كما أن المسؤولية تتناول أقارب الجاني، وربما عشيرته بكاملها حسب طبيعة القضية. فمن واجب هؤلاء الأقارب أن يمنعوا قريبهم من الاعتداء على الآخرين. وفي حال الزوجة الفاسدة على الزوج أن يعيدها إلى أهلها لأنهم أولى بتحمل مسؤولية أفعال ابنتهم وإصلاحها وليس زوجها. وعند البدو لا يجوز للزوج أن يقتل زوجته.
- القاعدة السابعة عشرة : ( ما وراء النار معيار)، أي: ليس بعد النار معيار.
يحرص القاضي البدوي دائما على إنهاء أطراف القضايا، مهما كان نوعها، حتى لا تؤدي تلك الأطراف إلى قضايا جديدة، ولهذا فإن على البدوي احترام قرار القاضي (هامش في الكتاب؛ عن موقف الدين من البشعة) - القاعدة الثامنة عشرة: (لا ينحر المطلوب برمحين)، ويعني ذلك أن البدو لا يجيزون ازدواج العقوبة بالنسبة للطرف المعتدي، فعادة يخيرونه بين قضاء الدولة أو القضاء العشائري، (ودك الدولة أو الشقوق) ، أي:هل تريد القانون المدني أم القانون العشائري؟
- القاعدة التاسعة عشرة : ( من ولاك مَنْحَره لا تنحره)، يعني ذلك أنه لا يصح للطرف المعتدَى عليه أن يغالي في عقوبة الطرف المعتدي، إذا احتكم هذا الطرف إلى القضاء البدوي وعاداتهم. ويضيف البدو إلى هذه القاعدة حكمًا آخر وهو أن (المطلوب يُعان لو كان سلطان)، أي لا بد من مساعدته لاجتياز هذه المحنة التي يمر بها، وهذا يعبّر عن بروز وجه التعاون ورسوخه في المجتمع.
- القاعدة العشرون: (الشفع عند الدفع)، أي: الشفاعة عند رد الحق إلى صاحبه. إذا أراد القاضي أن يقضي بين اثنين في الأموال، وأراد الطرف المدين
المثقل بالديون (الغارم) أن تُقسّط له المبالغ، أو أن يُعفى من قسم منها، يُقال له: الشفع (الشفاعة) عند الدفع، أي لا تُعفى من أي جزء من المال حتى تعلن الرضاء التام بما يحكم به القضاة عليك، وبعد صدور الحكم يتشفع القاضي وأهل الخير عند صاحب المال بأن يعفيه من جزء، وعادة ما يعفى من جزء كبير. - القاعدة الواحدة والعشرون: (الإبل خمسات والرجال خمسات) أي: عندما يحدث خلاف بين طرفين، ويود طرف منهم أن يبين أن الجاني لا يخصه وإن كان من عائلته أو عشيرته، فيدعى ابتعاد النسب بقدر خمسة أجداد بينهما، فإن تم ذلك، لا يكون في دائرة المطالبين، فيقول البدو : «الإبل خمسات والرجال خمسات»، أي لا يتحمل أحد تبعة جناية قريبة إذا كان بينهما أكثر من خمسة أجداد، ولا يستطيع أحد أن يتكلم باسم من كان بينهم خمسة أجداد إلا بتوكيل رسمي منه.
- القاعدة الثانية والعشرون: (ما غالية غير أغلى منها)، أي: لا يوجد مطلب نفيس إلا وكان الله أعلى منه. هذه القاعدة يقولها القاضي عندما يكون هناك إنكار لأحد الطرفين للحق، وبخاصة الأموال، حيث يدعي الطرف الآخر صدق دعواه، كدفع أو قبض. فيطلب منه ما هو أغلى من قول الإنسان وشهادته، ألا وهي الشهادة بالله العظيم، أي القسم بالله على صدق دعواه.»
التعليقات (0)
اكتب تعليقك ثم اضغط «نشر». إن لم تكن مسجّلاً، سنفتح لك نافذة الدخول ويُنشر تعليقك تلقائياً بعد تسجيل الدخول.
لا توجد تعليقات بعد. كن أول المشاركين.